الإسكندرية – في ظهيرة أغسطس/آب اللاهبة، على امتداد الكورنيش بين الميناء الشرقي ومحطة الرمل في قلب الإسكندرية شمالي مصر، يواصل عمال النظافة عملهم تحت شمس قاسية، يجمعون مخلفات المصطافين من أكياس ذرة وأكواب عصير بلاستيكية.

العربة المعدنية المتهالكة أمام محمود تكاد لا تتحرك إلا بجهد، في حين يزيل العرق عن جبينه بيد ويكمل جمع القمامة باليد الأخرى. منذ 10 أعوام، يعمل محمود بنظام اليومية في “حي وسط”، يتقاضى أجره كمكافأة شهرية بلا أي تغطية تأمينية أو معاش تقاعدي.

ورغم أن عقده يُجدد على الورق كل بضعة أشهر، فإن عمله فعليا لا ينقطع طوال العام. قصته ليست استثناء، بل هي جزء من شبكة واسعة من عقود العمل المؤقت التي تمددت داخل الجهاز الإداري للدولة، لتصنع ما يشبه “الوظائف المؤقتة الدائمة”.

مشهد واسع من المعاناة اليومية

كما يواصل محمود دفع عربته تحت شمس الإسكندرية، يواصل مئات الآلاف غيره عملهم في مدارس ومستشفيات ومكاتب حكومية بجميع المحافظات، في انتظار لحظة اعتراف قانوني تنهي سنوات من العمل المؤقت.

وتشير أحدث نشرة سنوية لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل (إصدار 2022)، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد العاملين بالجهاز الإداري بلغ نحو 4.9 ملايين موظف، يزيد الرقم إلى 5.1 ملايين إذا أُضيف إليهم العاملون بالقطاع العام والهيئات الاقتصادية.

لكن الأرقام الرسمية لا تقدم تمييزا بين الدائمين والمؤقتين، مما يترك حجم الظاهرة الفعلي بعيدا عن القياس الدقيق.

أما مشروع الموازنة العامة للدولة 2024 /2025 الصادر عن وزارة المالية، فيوضح أن مخصصات الأجور تبلغ 575 مليار جنيه (11.8 مليار دولار)، إضافة إلى نحو 21.5 مليار جنيه (443 مليون دولار) كمكافآت عن “الجهود غير العادية”. جزء من هذه المبالغ يذهب إلى موظفين مؤقتين لا يتمتعون بالمزايا التأمينية ذاتها التي يحصل عليها نظراؤهم المثبتون.

تقديرات نقابية تشير إلى أن أعداد المؤقتين قد تتجاوز 600 ألف موظف، ويتركز معظمهم في وزارات التعليم والصحة والإسكان والمحليات، إضافة إلى المؤسسات الصحفية القومية. هذه التقديرات، رغم عدم رسميتها، تظل الأقرب لما يردده العاملون على الأرض.

قصة الصحفي محمد رمضان الذي يعمل منذ 11 عاما بعقد مؤقت في صحيفة قومية كبرى تكشف حجم الفجوة، إذ يقول للجزيرة نت “نغطي أخبار الدولة ليل نهار، لكننا في أعين اللوائح مجرد متعاونين يمكن الاستغناء عنهم في أي وقت”. شهادات أخرى تكشف عن أن بعض الصحفيين المؤقتين يتقاضون رواتب أقل من الحد الأدنى للأجور، مع اعتمادهم على المكافآت الموسمية لتغطية نفقاتهم.

وفي وزارة الأوقاف، يروي أحمد حسن (عامل بأحد المساجد الكبرى في البحيرة) أنه يعمل منذ 9 سنوات بعقد مؤقت لا يمنحه سوى راتب أساسي محدود بلا أي حوافز. بينما يقول يوسف عبد الشهيد، موظف إداري بمديرية الصحة في الإسكندرية منذ 7 سنوات “لا يحق لي الحصول على إجازة مرضية مدفوعة، وإذا تغيبت يوما واحدا يُخصم من راتبي مباشرة، ولا يوجد تأمين ولا معاش، رغم أن جهة التعاقد هي الدولة ذاتها”.

أما فاطمة عدلي المعلمة في مدرسة حكومية، فتقول إن عقدها يمتد على الورق 3 أشهر فقط، لكنه يُجدد تلقائيا لتعمل عاما كاملا: “راتبي أقل من ألفي جنيه (41 دولارا)، ولا أحصل على أي مكافآت، ويتضاعف العمل خلال الامتحانات”.

ثغرات تشريعية وأعباء متراكمة

وينص قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 على أن شغل الوظائف الدائمة يجب أن يتم عبر مسابقات وإعلانات رسمية تحت إشراف وزارة التخطيط والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، لكن بعض الجهات تلجأ إلى العقود المؤقتة بحجة سد العجز بسرعة أو لاعتبارات اقتصادية، مما يفتح الباب لاستمرار أوضاع غير مستقرة لعقود.

العامل المؤقت يتقاضى أجره كمكافأة شهرية بلا أي تغطية تأمينية أو معاش تقاعدي_

مسؤول سابق بالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة أكد للجزيرة نت أن “العقود المؤقتة تمنح مرونة إدارية، لكنها تخلق جيلا كاملا خارج المظلة التأمينية”، مشيرا إلى غياب قاعدة بيانات حكومية دقيقة تحصر هذه الفئة.
الموضوع طُرح سابقا في البرلمان، ففي فبراير/شباط 2021 ناقشت لجنة القوى العاملة الملف وأكدت ضرورة الحصر والتثبيت التدريجي، لكن التوصيات لم تتحول سريعا إلى إجراءات عملية.

آخر تحرك جاء في مايو/أيار 2025 حين أعلن النائب محمد الجبلاوي أن الشركة المصرية لتجارة الجملة قررت تثبيت العمالة المؤقتة المعينة منذ 2019. ورغم أن الخطوة اعتبرت إيجابية، فإنها ظلت محدودة أمام اتساع حجم الظاهرة.

كما طالبت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب بتطبيق الحد الأدنى للأجور في الجهاز الإداري وتعيين العاملين بالعقود المؤقتة الذين اجتازوا تدريبات عملية، خصوصا مع العجز الناتج عن إحالة أعداد كبيرة على المعاش.

أزمة ممتدة بين النقابات والحكومة

عضوة مجلس النواب صفاء جابر عيادة تقدمت بطلب إحاطة لرئيس المجلس ورئيس الوزراء ووزير المالية لتصحيح أوضاع المؤقتين، مشيرة إلى وعود حكومية متكررة لم تتحول إلى واقع.

الأمين العام الأسبق لاتحاد عمال مصر عبد المنعم عبد العزيز وصف استمرار الظاهرة بأنها “جريمة في حق مئات الآلاف من الأسر”، معتبرا أن الحل يكمن في الحصر الدقيق وفرض مدة قصوى للعقد المؤقت، يعقبها تثبيت تلقائي.

الخبير القانوني الدكتور أحمد عبد العليم أكد أن قرار وقف التعيينات الحكومية فاقم الظاهرة، مشيرا إلى أن غياب نصوص قانونية واضحة يتيح استمرار الوضع المؤقت بلا سقف زمني.

أما الباحث الاقتصادي حسام الدسوقي فيرى أن توفير الأموال عبر العقود المؤقتة قد يقلل الأعباء قصيرة المدى، لكنه يفرض كلفة اجتماعية واقتصادية باهظة مستقبلا بسبب ضعف إنتاجية وولاء الموظف المؤقت.

بدوره، شدد مجدي البدوي نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر على أن الأزمة تحولت إلى “أمر متجدد” بعد قرار رئيس الوزراء حظر التعيينات والترقيات. وأوضح في تصريحات خاصة للجزيرة نت أن لجانا مشتركة مع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة بدأت خطوات فعلية لتحديد المستحقين للتثبيت وفق معايير تضمن الشفافية والاستفادة من الكفاءات داخل الجهاز الحكومي.

العامل المؤقت يتقاضى أجره كمكافأة شهرية بلا أي تغطية تأمينية أو معاش تقاعدي_

أزمة صامتة تهدد الاستقرار الوظيفي

بين دفاتر الموازنة التي ترصد مليارات تُنفق على الأجور، وإحصاءات رسمية عاجزة عن فرز الدائم من المؤقت، وتقديرات نقابية تتحدث عن مئات الآلاف من الموظفين في “منطقة رمادية”، تظل قضية العمالة المؤقتة في مصر أزمة صامتة.

أزمة تتجاوز حدود العقود الفردية لتشكل تهديدا لقطاعات حيوية كالتعليم والصحة والإدارة المحلية، بينما يعيش جيل كامل من الموظفين على أمل التثبيت القانوني. ومع غياب حل شامل يوازن بين الإصلاح الإداري والعدالة الاجتماعية، تبقى الظاهرة مرشحة للتفاقم، وتظل الأصوات المطالبة بالاعتراف والإنصاف تتردد بلا استجابة حاسمة.

شاركها.
اترك تعليقاً