في السنوات الأخيرة، شهد الاقتصاد العالمي تحولات جذرية، وتغيرات في موازين القوى. يرى الكاتب الأمريكي فريد زكريا أن هذه التحولات بدأت تتشكل كرد فعل على السياسات الأمريكية غير المتوقعة، مما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم علاقاتها مع واشنطن والبحث عن بدائل. هذا التحول يظهر بوضوح في تنامي الشراكات الاقتصادية الجديدة، وتأقلم القوى العالمية مع واقع جديد. أصبح الحديث عن التحول الاقتصادي العالمي ضرورة ملحة لفهم ديناميكيات المستقبل.
تراجع الثقة في السياسة الاقتصادية الأمريكية
يشير زكريا إلى أن الولايات المتحدة، التي كانت تعتبر في السابق ركيزة للاستقرار الاقتصادي العالمي، أصبحت مصدرًا للقلق وعدم اليقين. عودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة وفرض رسوم جمركية باهظة أثارت مخاوف واسعة النطاق من اندلاع حرب تجارية مدمرة. ومع ذلك، لم تستسلم الدول الأخرى للذعر، بل اتخذت خطوات استباقية لحماية مصالحها.
بدلاً من التصعيد، اختارت أوروبا استيعاب الضغط الأمريكي وكسب الوقت. هذا النهج الحكيم منع انزلاق الاقتصاد العالمي نحو الركود، وأظهر قدرة أوروبا على التكيف مع التحديات الجديدة. هذا التوجه يعكس رغبة متزايدة في تنويع الشراكات الاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة.
أوروبا تقود دفة التحول نحو شراكات جديدة
أظهرت أوروبا مرونة ملحوظة في مواجهة السياسات الأمريكية، وبدأت في بناء تحالفات اقتصادية جديدة. أبرز مثال على ذلك هو الاتفاقية التجارية الشاملة التي تم التوصل إليها مؤخرًا مع دول أمريكا الجنوبية (البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوروغواي). هذه الاتفاقية ستنشئ واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، حيث تضم أكثر من 700 مليون نسمة.
بالإضافة إلى ذلك، نجحت أوروبا في حل العديد من الخلافات التجارية مع الصين، خاصة فيما يتعلق بالسيارات الكهربائية والإعانات الحكومية. على الرغم من الحذر الأوروبي من السياسات الصناعية الصينية ونظامها السياسي، إلا أن بكين أصبحت تُنظر إليها الآن كشريك لا غنى عنه. كما كثفت أوروبا جهودها للتواصل مع جنوب شرق آسيا، وأبرمت اتفاقيات تجارية مع سنغافورة وفيتنام.
كندا تسير على نفس الدرب
لم تقتصر هذه التحولات على أوروبا فحسب، بل امتدت لتشمل كندا أيضًا. أعلنت الحكومة الكندية الجديدة عن سعيها للابتعاد عن واشنطن وتنويع شركائها التجاريين، بهدف زيادة حجم التجارة مع الدول الأخرى بنسبة 50% على الأقل خلال السنوات العشر القادمة. هذا يعتبر تحولًا استراتيجيًا جذريًا يعكس قلق كندا من السياسات الحمائية الأمريكية.
صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية
تؤكد البيانات التجارية الصينية أن العالم لا يبتعد عن بكين، بل عن واشنطن. شهدت الصادرات الصينية ارتفاعًا ملحوظًا، حيث قفز الفائض التجاري الصيني إلى ما يقرب من 1.2 تريليون دولار في عام 2025. كما توسعت معاملات الصين التجارية مع دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا ومعظم أنحاء آسيا.
يبدو أن الرسوم الجمركية الأمريكية لم تنجح في عزل الصين عن العالم، بل شجعت العديد من الدول على مواصلة التجارة معها. هذا التحول في المواقف العامة يعكس تزايد الإدراك بأهمية الصين كشريك اقتصادي عالمي. ففي استطلاعات الرأي التي أجريت في الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، انخفضت نسبة من يفضلون الانضمام إلى كتلة بقيادة أميركية بنسبة تتراوح بين 15 و19 نقطة مئوية خلال عامين فقط.
مستقبل القوة الأمريكية على المحك
يختتم زكريا مقاله بالتحذير من أن قوة أمريكا المستقبلية باتت على المحك. في الوقت الذي تعكف فيه الصين على بناء نظام اقتصادي مرن وقوي، يبدو أن الولايات المتحدة أضاعت جزءًا كبيرًا من الفرصة المتاحة لها. فبدلاً من بناء منظومة اقتصادية خاصة بها بالتنسيق مع حلفائها وشركائها، تعاملت معهم كعملاء تجاريين، واستخدمت التعريفات الجمركية كسلاح ضدهم، وحولت الالتزامات طويلة الأمد إلى أدوات للابتزاز.
هذه السياسات دفعت الدول الأخرى إلى اتخاذ خطوات احترازية، مما أدى إلى تآكل النفوذ الأمريكي في الاقتصاد العالمي. لذلك، يرى زكريا أن على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في استراتيجيتها الاقتصادية، وأن تركز على بناء شراكات حقيقية مع حلفائها وشركائها، بدلاً من ممارسة الضغوط عليهم. إن مستقبل النظام الاقتصادي العالمي يعتمد على قدرة الولايات المتحدة على التكيف مع هذه التحولات الجديدة.
في الختام، يمثل التحول الاقتصادي العالمي الذي وصفه زكريا نقطة تحول حاسمة في تاريخ الاقتصاد العالمي. يتطلب هذا التحول من جميع الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، أن تكون أكثر مرونة وتكيفًا، وأن تركز على بناء شراكات حقيقية ومستدامة. هل ستتمكن الولايات المتحدة من استعادة مكانتها كقوة اقتصادية رائدة، أم ستستمر في التراجع أمام صعود قوى جديدة مثل الصين وأوروبا؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة.















