يشهد الاقتصاد الإسرائيلي تحولات هيكلية عميقة، وتكشف بيانات التجارة الخارجية الإسرائيلية لعام 2025 عن تدهور ملحوظ في الميزان التجاري، مما يثير تساؤلات حول مستقبل النمو والاعتمادية الاقتصادية. هذا التدهور يتجلى في فجوة متزايدة بين الواردات المتصاعدة والصادرات التي تكافح للحفاظ على وتيرة نموها. التحليل التالي يستعرض تفاصيل هذا الوضع، وأسبابه، وتداعياته المحتملة.
تدهور حاد في الميزان التجاري الإسرائيلي لعام 2025
أظهرت بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، التي استندت إليها صحيفة كالكاليست في تقريرها، أن العجز التجاري في عام 2025 بلغ مستويات غير مسبوقة. العجز في تجارة السلع قفز إلى حوالي 38 مليار دولار، ومع استبعاد البنود الاستثنائية، استقر العجز عند ما وصفته الصحيفة بـ “الرقم الذهبي” البالغ 30 مليار دولار. هذا يمثل زيادة حادة تقارب 20% مقارنة بعام 2024، حيث بلغ العجز حوالي 25.8 مليار دولار. ونتيجة لذلك، انخفضت نسبة الصادرات إلى الواردات إلى أقل من 58%، مما يعكس ضعفًا متزايدًا في القدرة التنافسية للصادرات الإسرائيلية.
ارتفاع الواردات وتوسع الاستثمارات
ارتفعت الواردات الإسرائيلية بشكل ملحوظ في عام 2025، حيث وصلت إلى حوالي 84.4 مليار دولار، بزيادة سنوية تقارب 7.2%. لم يقتصر هذا الارتفاع على قطاع واحد، بل شمل جميع المكونات الرئيسية للواردات:
تفصيل مكونات الواردات
- واردات المواد الخام: بلغت حوالي 42.6 مليار دولار، بزيادة تقارب 3 مليارات دولار عن العام السابق.
- واردات سلع الاستثمار: ارتفعت إلى حوالي 15.4 مليار دولار، بنمو يقارب 8%.
- واردات السلع الاستهلاكية: سجلت حوالي 26.3 مليار دولار، بزيادة تقارب 6%.
تشير كالكاليست إلى أن هذا النمط يعكس توسعًا اقتصاديًا داخليًا واسعًا في الاستثمارات والمعدات ومدخلات الإنتاج، وليس مجرد زيادة في الاستهلاك الشخصي. هذا يعني أن الشركات الإسرائيلية تستثمر في التوسع والتحديث، مما يتطلب استيراد المزيد من المواد الخام والآلات.
ركود الصادرات وتأثيره على الاقتصاد
على الجانب الآخر، بقيت الصادرات الإسرائيلية شبه ثابتة في عام 2025، حيث بلغت حوالي 53.4 مليار دولار فقط، بزيادة هامشية لا تتجاوز 1% عن عام 2024. الصادرات الصناعية، التي تشمل الصناعة والتعدين واستخراج المواد الخام باستثناء الألماس، سجلت ركودًا طفيفًا، حيث انخفضت من 53.4 مليار دولار إلى 53.1 مليار دولار.
القطاعات الأكثر تضررًا
أظهرت البيانات تراجعًا ملحوظًا في قطاع التكنولوجيا العالية، الذي يعتبر قاطرة الاقتصاد الإسرائيلي، حيث انخفضت الصادرات بنحو 5%. كما سجل قطاعا التكنولوجيا والكيميائيات انخفاضًا حادًا في الصادرات، حيث انخفضت بنحو 5 مليارات دولار، أي بتراجع يقارب 22%. وانخفضت صادرات الصناعات الكيميائية وحدها بنسبة حادة بلغت 32%. هذا الانخفاض في الصادرات يمثل ضربة للاقتصاد الإسرائيلي، ويؤكد على الحاجة إلى تنويع مصادر النمو.
اقتصاد الخدمات وقدرته على إخفاء التدهور الصناعي
على الرغم من هذا التدهور في التجارة الخارجية الإسرائيلية، حافظ الشيكل على قوته. تفسر كالكاليست ذلك بتحول الاقتصاد الإسرائيلي إلى اقتصاد خدمات بشكل متزايد. فقد أظهرت بيانات الحساب الجاري لميزان المدفوعات عجزًا فصليًا في تجارة السلع بنحو 8 مليارات دولار، مقابل فائض فصلي في تجارة الخدمات بلغ حوالي 10 مليارات دولار، خلال الفترة بين الربع الرابع من 2024 والربع الثالث من 2025. أدى هذا إلى فائض تجاري إجمالي (سلع وخدمات) تجاوز 8.6 مليار دولار.
ويذكر أن صندوق النقد الدولي وصف إسرائيل في عام 2017 بأنها “مركز” لصادرات خدمات التكنولوجيا العالية، وهي صادرات تولد قيمة مضافة أعلى لكل دولار مقارنة بالسلع، ولا تعتمد على مواد خام أو نقل مادي، وتوفر أجورًا أعلى.
تحديات هيكلية ومستقبل غير مؤكد
ومع ذلك، تشدد كالكاليست على أن هذا التفوق في قطاع الخدمات لا يعالج المشكلة الهيكلية العميقة في قاعدة الإنتاج السلعي. بل إنه يخفي مؤقتًا التآكل المستمر في الصادرات الصناعية وتوسع فجوة الواردات. الاقتصاد الإسرائيلي أصبح يعتمد بشكل كبير على قطاع واحد (الخدمات) للحفاظ على توازنه، مما يجعله عرضة للصدمات الخارجية.
إن تحليل التجارة الخارجية الإسرائيلية لعام 2025 يظهر بوضوح الحاجة إلى معالجة هذه التحديات الهيكلية. يتطلب ذلك سياسات تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الصناعية، وتنويع مصادر النمو، وتقليل الاعتماد على قطاع الخدمات. كما يجب على الحكومة الإسرائيلية العمل على تحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمار في البحث والتطوير، وتطوير البنية التحتية. مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد على قدرته على التكيف مع هذه التحولات، وإيجاد حلول مستدامة للتحديات التي تواجهه. من الضروري متابعة تطورات التجارة الخارجية الإسرائيلية وتقييم تأثيرها على الاقتصاد بشكل دوري.















