تؤكد المملكة العربية السعودية على مكانتها المتنامية كلاعب رئيسي في قطاع التعدين العالمي، وذلك من خلال استراتيجية طموحة تركز على الاستفادة المثلى من مواردها المعدنية الهائلة وتوطين الصناعات المرتبطة بها. وقد صرح بذلك وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر بن إبراهيم الخريّف، مؤكداً أن هذه الاستراتيجية ليست مجرد توجه اقتصادي، بل هي ضرورة استراتيجية مدفوعة بمزايا تنافسية فريدة تتمتع بها المملكة.
استراتيجية التعدين السعودية: نحو توطين الصناعة وتعظيم القيمة المضافة
تعتمد رؤية المملكة 2030 على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، ويشكل قطاع التعدين ركيزة أساسية في تحقيق هذا الهدف. الخريّف أوضح أن الاستراتيجية ترتكز بشكل جوهري على توطين عمليات المعالجة والتصنيع، مما يعني الانتقال من مجرد تصدير المواد الخام إلى إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة أعلى داخل المملكة. هذا التوجه يهدف إلى خلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعزيز القدرات الصناعية الوطنية.
التكامل بين الموارد والطاقة والموقع الجغرافي
تتمتع المملكة بميزة تنافسية قوية في قطاع التعدين، وذلك بفضل التكامل الفريد بين ثلاثة عناصر رئيسية: وفرة الموارد المعدنية المتنوعة، وتوفر مصادر الطاقة بتكلفة منخفضة، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يسهل الوصول إلى الأسواق العالمية. هذا التكامل يسمح للمملكة بتقديم حلول متكاملة للشركات العاملة في هذا القطاع، بدءًا من استخراج المعادن وصولًا إلى تصنيعها وتصديرها.
مؤتمر التعدين الدولي: منصة عالمية لمستقبل القطاع
جاء تأكيد وزير الصناعة خلال مؤتمر صحفي في الرياض، على هامش اختتام أعمال الاجتماع الوزاري الدولي الذي ضمن النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي. شهد المؤتمر مشاركة واسعة من مختلف دول العالم والمنظمات الدولية، حيث قفز عدد الدول المشاركة من 25 دولة في النسخة الأولى إلى أكثر من 100 دولة و59 منظمة دولية هذا العام. هذا النمو القياسي يؤكد على تحول المؤتمر إلى منصة عالمية رائدة لمناقشة قضايا مستقبل التعدين والمعادن.
تعزيز التعاون الدولي ودعم التنمية في أفريقيا
شارك في المؤتمر كبار المسؤولين من مختلف الدول، بما في ذلك نائب الوزير لشؤون التعدين، المهندس خالد بن صالح المديفر، ونائب رئيس مجموعة البنك الدولي للبنية التحتية، فاليري ليفكوف، والرئيس التنفيذي للمجلس الدولي للتعدين والمعادن (ICMM)، روهيتش داوان. تم خلال الاجتماعات بحث سبل تعزيز التعاون الدولي في قطاع التعدين، وتبادل الخبرات والمعرفة، وتطوير معايير الاستدامة.
كما أكد المديفر على التزام المملكة بدعم التنمية في أفريقيا، من خلال العمل مع الشركاء الدوليين لإنشاء ممرات لوجستية وبنية تحتية شاملة للطاقة والمياه والنقل. يهدف هذا الدعم إلى تمكين الدول الأفريقية من استغلال ثرواتها المعدنية بشكل مستدام ومسؤول، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعوبها.
البنك الدولي يعزز دعمه لقطاع المعادن
أعلنت فاليري ليفكوف، نائب رئيس مجموعة البنك الدولي للبنية التحتية، عن إقرار استراتيجية جديدة تهدف إلى زيادة دعم البنك لقطاع المعادن بمقدار خمسة أضعاف خلال السنوات الخمس القادمة. وتركز هذه الاستراتيجية على تمكين الدول الغنية بالمعادن من تعظيم القيمة المضافة محليًا، من خلال ثلاث ركائز أساسية: تعزيز السياسات والحوكمة، والاستثمار المكثف في البنية التحتية الممكنة، وحشد رأس المال الخاص لسد الفجوة التمويلية الهائلة التي تقدر بـ 500 مليار دولار. هذا الدعم المالي والفني سيسهم في تطوير قطاع المعادن في مختلف أنحاء العالم، وتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الموارد الهامة.
تحديات القوى البشرية وأهمية العناصر الأرضية النادرة
أشار روهيتش داوان، الرئيس التنفيذي للمجلس الدولي للتعدين والمعادن (ICMM)، إلى التحدي الكبير الذي يواجه قطاع التعدين فيما يتعلق بتوفير القوى البشرية المؤهلة. وأوضح أن هناك حاجة لمضاعفة القوى العاملة في هذا القطاع من 3 إلى 5 مرات خلال العقدين القادمين، لمواكبة الطلب المتزايد على المعادن. وأشاد بنجاح المملكة في تغيير الصورة الذهنية للقطاع وجذب الشباب إلى وظائف فيه.
من جانبه، أكد المهندس خالد المديفر على الأهمية الاستراتيجية للعناصر الأرضية النادرة، مشيرًا إلى أنها أصبحت عصب الاقتصاد الحديث، نظرًا لدخولها في صناعات حيوية مثل الروبوتات والسيارات الكهربائية والمغناطيس. وأوضح أن المملكة تعمل من خلال “البرنامج الوطني للمعادن” لضمان توفر هذه المعادن للصناعات الوطنية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
نحو مستقبل مستدام لقطاع التعدين
تؤكد المملكة العربية السعودية التزامها بتطوير قطاع التعدين بشكل مستدام ومسؤول، مع مراعاة الجوانب البيئية والاجتماعية. من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، وتعزيز الشراكات الدولية، وتطوير الكفاءات الوطنية، تسعى المملكة إلى أن تصبح مركزًا عالميًا رائدًا في هذا القطاع، والمساهمة في تحقيق مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة للجميع. الاستفادة من هذه الموارد بشكل فعال ستدعم النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، مما يعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية عالمية.















