في خضم الأزمة السودانية المستمرة، تبرز أهمية قطاع النفط كشريان حياة للاقتصاد الوطني. مؤخرًا، كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، المعتصم إبراهيم، عن تفاصيل الوضع الراهن في حقل هجليج النفطي الاستراتيجي، وجهود المفاوضات الجارية مع الشركة الوطنية الصينية للبترول (CNPC). هذا الكشف يثير تساؤلات حول مستقبل إنتاج النفط في السودان، والعلاقات الاقتصادية مع الشركاء الدوليين، خاصةً في ظل التحديات الأمنية والسياسية المتزايدة.
الوضع الحالي في حقل هجليج النفطي
أكد الوزير إبراهيم بشكل قاطع أن الحكومة السودانية تسيطر بشكل كامل على حقل هجليج وجميع المنشآت النفطية المرتبطة به. وقال في حوار خاص مع الجزيرة نت: “نحن موجودون في حقل هجليج وندير كل المنشآت النفطية، ومسؤولون بشكل كامل عن تشغيل الحقل”. هذا التصريح يهدف إلى طمأنة الأسواق والمستثمرين حول استقرار العمليات في هذا الحقل الحيوي.
وأضاف الوزير أن هناك تعاونًا وثيقًا مع دولة جنوب السودان لتأمين الحقول وضمان استمرار الإنتاج. هذا التعاون يأتي في إطار المصالح المشتركة بين البلدين، حيث يعتمد جنوب السودان على منشآت معالجة النفط في السودان. في المقابل، نفى الوزير بشدة أي تعاون مع قوات الدعم السريع في منطقة هجليج النفطي، مؤكدًا أن الحكومة السودانية تتعامل مع الوضع الأمني بشكل مستقل.
الإنتاج الحالي في حقل هجليج
على الرغم من التحديات، يواصل حقل هجليج إنتاج النفط. أفاد الوزير أن حجم الإنتاج اليومي يتجاوز 30 ألف برميل، وهو ما يمثل جزءًا هامًا من إجمالي إنتاج السودان. قبل الحرب، كان الإنتاج يتراوح بين 58 و 59 ألف برميل يوميًا، ولكن توقف الإنتاج في بعض المربعات الأخرى أثر على الإجمالي.
مفاوضات مع الشركة الوطنية الصينية للبترول
تجري حاليًا مفاوضات مكثفة في القاهرة بين الجانب السوداني والشركة الوطنية الصينية للبترول. يهدف هذا اللقاء إلى تذليل العقبات التي تواجه استمرار التعاون بين الطرفين، وبحث أفضل السبل لضمان استدامة العمليات النفطية. تضم بعثة المفاوضات السودانية ممثلين من وزارة المالية، وسفير السودان المرشح للصين، وفريق من وزارة الطاقة، بالإضافة إلى ممثلين عن شركة بشاير لخطوط الأنابيب والشركة السودانية للبترول.
التقارير الإعلامية أشارت إلى أن الشركة الصينية قد تكون بصدد مناقشة إنهاء مبكر لاتفاقية تقاسم الإنتاج واتفاقية خط الأنابيب بسبب الوضع الأمني المتدهور. لكن الوزير إبراهيم قلل من أهمية هذه التقارير، مؤكدًا أن الشركة لم تعلن رسميًا عن نيتها الانسحاب. وأضاف: “إبداء الرغبة في الخروج لا يعني الخروج، والتفاوض مستمر لمعالجة الصعوبات”.
دوافع الشركة الصينية ومستقبل الشراكة
تشير التحليلات إلى أن دوافع الشركة الصينية المحتملة للانسحاب تتعلق بشكل أساسي بالتقييمات الاقتصادية وتكاليف التشغيل في ظل الأوضاع الأمنية الحالية. فالشركة قد تكون غير راغبة في تحمل المزيد من المخاطر والخسائر في بيئة غير مستقرة.
ومع ذلك، يرى الوزير إبراهيم أن العلاقات بين السودان والصين علاقات استراتيجية وأزلية، وأن الجانب الصيني يؤكد دائمًا على أهمية هذه العلاقات. بالإضافة إلى ذلك، لدى الشركة الصينية شراكة قائمة في مصفاة البترول وفي خطوط الأنابيب، مما يعزز من فرص استمرار التعاون. الاستثمار في قطاع النفط السوداني لا يزال يحمل في طياته إمكانات كبيرة، ولكن يتطلب ضمانات أمنية وسياسية واضحة.
جهود استعادة الزخم النفطي
تدرك الحكومة السودانية أهمية استعادة الزخم النفطي الذي كان عليه السودان قبل الحرب. لذلك، تعمل على استقطاب مستثمرين جدد في الحقول العاملة والحقول الجديدة التي لم يبدأ فيها الإنتاج بعد. وقد تم بالفعل توقيع مذكرات تفاهم مع عدد من الشركات الدولية، ويجري حاليًا التفاوض على تفاصيل الاستثمارات.
الوزير إبراهيم أعرب عن تفاؤله بمستقبل قطاع النفط، مؤكدًا أن السلام قادم وأن الظروف ستتحسن. وأضاف: “لدينا محاولات جارية لاستعادة القطاع النفطي لدوره الطليعي وإعمار ما خربته المليشيا”. تطوير البنية التحتية النفطية يعتبر أولوية قصوى للحكومة السودانية، بهدف زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة.
الخلاصة
إن الوضع في حقل هجليج النفطي يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع النفط السوداني. على الرغم من هذه التحديات، تواصل الحكومة السودانية جهودها للحفاظ على الإنتاج واستقطاب المستثمرين. مفاوضات القاهرة مع الشركة الوطنية الصينية للبترول تمثل فرصة حاسمة لضمان استمرار الشراكة وتجنب أي تداعيات سلبية على إنتاج النفط. مستقبل قطاع النفط في السودان يعتمد بشكل كبير على تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، وإعادة بناء الثقة بين الحكومة والمستثمرين. الاستمرار في التعاون مع دول الجوار، مثل جنوب السودان، يعتبر أيضًا عاملاً مهمًا في ضمان استدامة العمليات النفطية.















