الوضع الاقتصادي في سوريا: رؤية جديدة من وزير المالية

في مقابلة تلفزيونية مفصلة أثارت جدلاً واسعاً، قدم وزير المالية السوري محمد يسر برنية، عبر برنامج “صالون الجمهورية” على منصة “سوريا الآن” التابعة لشبكة الجزيرة، عرضاً شاملاً للسياسات المالية والاقتصادية التي تتبعها الحكومة خلال المرحلة الانتقالية. لم يكن العرض مجرد سرد للحقائق والأرقام، بل تميز بجرأة في الطرح وشفافية ملحوظة، وهو أمر غير معتاد في الخطاب الرسمي السوري. وتناول الحوار قضايا حيوية تمس المواطن السوري بشكل مباشر، بدءاً من الموازنة العامة وصولاً إلى الديون الخارجية، ومروراً بالإصلاح الضريبي ودور القطاع الخاص. هذا المقال سيلخص أبرز ما جاء في المقابلة، مع التركيز على الوضع الاقتصادي في سوريا والتحديات التي تواجهه.

فائض الموازنة: بين الإعلان والواقع الاجتماعي

أكد وزير المالية تحقيق فائض في الموازنة العامة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الحالي. لكنه سارع إلى التأكيد على أن هذا الفائض لا ينبغي الاحتفاء به بشكل مبالغ فيه، وأنه لا يعكس تحسناً حقيقياً في الوضع الاقتصادي في سوريا. وضّح برنية أن الفائض، وإن كان مؤشراً إيجابياً من الناحية المحاسبية، لا يبرر التفاؤل طالما أن الواقع الاجتماعي لا يزال صعباً للغاية.

وأضاف: “لا يمكن أن يفتخر أحد بوجود أموال في جيبه بينما أطفاله يعانون من الجوع، والمدارس مدمرة، والمشافي تحتاج إلى إعادة تأهيل شاملة”. وبرر هذا الفائض بجهود مكافحة الفساد، وتقييد الإنفاق على المشاريع غير المكتملة، مشدداً على ضرورة توجيه هذه الأموال نحو القطاعات الاجتماعية الحيوية.

الشفافية والانضباط المالي: أساس الثقة والاستقرار

أشار الوزير إلى أن الحكومة تضع الشفافية والانضباط المالي في صميم أولوياتها. ووعد بنشر تقارير مالية دورية بعد إقرار الموازنة العامة، مؤكداً أن المواطن شريك أساسي في الرقابة والمحاسبة. وشدد على أن إدارة المال العام يجب أن تتم بشفافية تامة من أجل استعادة ثقة الشعب.

كما ربط بين الاستقرار الاقتصادي والانضباط المالي، مؤكداً أن استقرار الليرة السورية يعتمد بشكل أساسي على عدم تمويل العجز في الموازنة من خلال البنك المركزي. وأكد أن هذه السياسة ليست مجرد إجراء مؤقت، بل هي خيار استراتيجي طويل الأمد يهدف إلى تحقيق الاستقرار المستدام للعملة الوطنية.

الدين العام: تصفير الديون الداخلية وتقييد الاقتراض الخارجي

أعلن وزير المالية عن سداد الحكومة لكامل السلف المستحقة للبنك المركزي السوري، مما أدى إلى تصفير الدين الداخلي. وأكد على حرص الحكومة على عدم اللجوء إلى البنك المركزي في التمويل، وذلك للحفاظ على استقلاليته.

أما فيما يتعلق بالدين الخارجي، فقدّر الوزير حجمه بنحو 4.5 مليار دولار، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على إيجاد حلول من خلال المفاوضات مع الدائنين. وأكد أن الحكومة لن تسعى إلى تحميل الأجيال القادمة أعباء الديون، وأن أي اقتراض محتمل سيكون بشروط ميسرة للغاية ولأهداف اجتماعية أو استراتيجية واضحة. الاستدامة المالية هي حجر الزاوية في الوضع الاقتصادي في سوريا المستقبلي.

ملف الديون “البغيضة” لإيران وروسيا

تعتبر قضية الديون المستحقة لإيران وروسيا من أكثر القضايا حساسية. وقد وصف وزير المالية هذه الديون بأنها “بغيضة”، وكشف أن الحكومة تعمل على إعداد مطالبات مالية مضادة. وأضاف: “إذا طالبوا بمبلغ معين، فإننا سنطالب بأضعافه، نظراً لمساهمتهم في تدمير البلد”.

وأقرّ الوزير بأن هذا الملف “سياسي معقد”، لكنه شدد على أن الدولة لن تتنازل عن أي حق من حقوق السوريين، وأنها ستعمل على محاسبة الأطراف المعنية بشكل كامل. هذه المسألة حساسة للغاية وتؤثر بشكل مباشر على مستقبل الوضع الاقتصادي في سوريا.

الإصلاح الضريبي ودور القطاع الخاص

فيما يتعلق بالإصلاح الضريبي، أكد وزير المالية أن النظام الضريبي الجديد يهدف إلى التبسيط وخفض النسب مع توسيع قاعدة الالتزام. وقال: “نريد خفض الضرائب، ولكن زيادة الالتزام”. وأشار إلى أن ضريبة المبيعات ستكون في حدود 5%، وأن شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود ستكون معفاة من الضرائب.

كما شدد على أن الدولة لن تنافس القطاع الخاص، وأن شركات القطاع العام ستخضع لإعادة هيكلة أو تحويل إلى شركات مساهمة، مع إمكانية دمج أو تصفية الشركات غير القادرة على الاستمرار. وتهدف هذه الخطوة إلى دعم النمو الاقتصادي وتشجيع الاستثمار.

الليرة السورية والدولرة: مرحلة انتقالية

نفى وزير المالية وجود توجه دائم نحو الدولرة، واعتبرها مجرد “مرحلة انتقالية”. وأكد أن الهدف النهائي هو العودة إلى التعامل بالليرة السورية، وأن المواطنين يجب أن يثقوا بعملتهم الوطنية. وأضاف: “نريد أن نصل إلى مرحلة يكون فيها المواطن واثقاً بالليرة السورية، ويتعامل بها دون خوف”.

وأوضح أن هذا التحول لن يتم بقرارات قسرية أو أمنية، بل من خلال تحقيق الاستقرار المالي وتطبيق سياسة نقدية متماسكة، مما يعيد الثقة بالليرة السورية بشكل تدريجي.

الخلاصة: رؤية جديدة نحو مستقبل أفضل

بشكل عام، قدم وزير المالية محمد يسر برنية رؤية جديدة وشجاعة للتعامل مع التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا. وقد تميز العرض بالشفافية والواقعية، والتركيز على أهمية الانضباط المالي، ودور القطاع الخاص، واستعادة ثقة المواطنين بالاقتصاد الوطني. ولا تزال التحديات كبيرة، ولكن هذه الخطوات تمثل بداية متواضعة نحو تحسين الوضع الاقتصادي في سوريا وتوفير مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، يمكنكم زيارة الوضع الاقتصادي في سوريا – موقع سوريا الآن (هذا الرابط وهمي، يجب استبداله برابط فعلي على موقع “سوريا الآن”).

شاركها.
اترك تعليقاً