أصدرت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية العدد الثامن والعشرين من مجلتها العلمية السنوية «أرضنا.. الجيولوجيا والتعدين» في أغسطس الماضي باللغتين العربية والإنجليزية، ويتصدر الغلاف دراسة بعنوان «أطوار الموجات الزلزالية في منطقة العيص البركانية». تناول العدد موضوعات متعددة، وبرزت فيه رؤى علمية وتطبيقية تهدف لتعزيز فهم قطاع الجيولوجيا والتعدين ودوره الحيوي في الاقتصاد الوطني.
يتضمن العدد مقالات لأخصائيين محليين ودوليين تغطي استراتيجيات استكشاف الموارد المعدنية، تقنيات الاستشعار عن بعد، وسبل توظيف الابتكار مثل الذكاء الاصطناعي في العمل الحقلّي والمختبري. بحسب هيئة المساحة، السعي لتوطيد المعرفة والإنتاج العلمي يأتي تماشياً مع أهداف رؤية المملكة 2030 لتعظيم الاستفادة من الموارد الوطنية.
الجيولوجيا والتعدين في العدد الثامن والعشرين
افتتح العدد بموضوع يعتبر نموذج نجاح محلي إذ أشار المهندس حسام التركي إلى إدراج شمال الرياض وسَلْمى جيوبارك ضمن قوائم الجيوبارك العالمية التابعة لليونسكو، ما يعكس مكانة السعودية في الحفاظ على الإرث الجيولوجي. بالإضافة إلى ذلك، احتوى العدد دراسات متعمقة عن بنية المواقع البركانية و«أطوار الموجات الزلزالية في منطقة العيص»، وهو ما يعزز قاعدة البيانات العلمية للزلازل والنشاط البركاني.
في هذا السياق، سلطت المجلة الضوء على دور قاعدة المعلومات الجيولوجية الوطنية بوصفها دعامة أساسية لدعم اتخاذ القرار في قطاع التعدين في السعودية، إذ توفر بيانات إقليمية مكثفة تسهم في تخطيط أولويات الاستكشاف واستدامة استغلال الموارد.
محاور بارزة: الطاقة الحرارية الأرضية والذكاء الاصطناعي
جاءت دراسات متقدمة حول الطاقة الحرارية الأرضية كخيار للطاقة المتجددة في المملكة، حيث أوضح المهندس الجيولوجي هيثم برنجي أن تقييم مصادر الطاقة الحرارية الأرضية يبدأ بتحليل الخرائط الجيولوجية وقياس التراكيب مثل الصدوع والشقوق، إضافة إلى دراسات هيدرولوجية وتحاليل المياه. لذلك، تُعد هذه الدراسات خطوة أساسية لفتح آفاق جديدة في إنتاج الطاقة بجانب مصادر الطاقة الأخرى.
في الوقت نفسه، طرح د. سالم الغربي سؤالاً عملياً حول إمكانية استبدال الجيولوجي بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التطور التقني أصبح ضرورة عملية. ومن ناحية أخرى، أكدت المقالات ضرورة دمج مهارات الذكاء الاصطناعي في العمل الجيولوجي لتحسين سرعة تحليل البيانات وجودة التنبؤات الاستكشافية.
ثروات التعدين والبيئة والتراث
ركزت مقالات أخرى على إمكانات المعادن في المملكة من ذهب وفوسفات وبوكسيت ونحاس وحديد ومعادن الأرض النادرة، وبيّن أ. د. بدر حكمي أن هذه الثروات تمثل فرصة استراتيجية لدعم اقتصاد مستدام قائم على العلم والابتكار. علاوة على ذلك، ناقش الباحثون كيفية التوفيق بين استغلال الموارد والحفاظ على البيئة المحلية.
لم تغفل المجلة الأبعاد التراثية فأبرزت أعمال التنقيب الأثري في مواقع التعدين القديمة، حيث أفاد خالد الزهراني وهايب الصيخان بأن الحفريات أظهرت أدوات صهر المعادن ومواقع سكنية وبُنى تحتية تاريخية تعكس عمق التجربة التعدينية في شبه الجزيرة العربية. في المقابل، تناولت بحوث أخرى إمكانات حصاد المياه في محميات طبيعية كخطوة لتعزيز الأمن البيئي ودعم التنوع البيولوجي.
دور المختبرات وقاعدة البيانات الوطنية
ناقش العدد أهمية المختبرات الجيولوجية والهندسية في ضمان سلامة واستدامة المشروعات، حيث أوضح المهندس رائد العمري أن التحليل الفيزيائي والميكانيكي للتربة والصخور ضروري لتقييم ملاءمة المواقع للمشروعات العمرانية والصناعية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل المختبرات على تقديم نماذج تقييم مخاطر جيولوجية تسهم في تقليل الخسائر المحتملة.
أما م. مصطفى مكي فأشار إلى أن قاعدة المعلومات الجيولوجية الوطنية تمثل مرجعية حيوية لتخطيط مشاريع الاستكشاف، وتُستخدم لدعم دراسات الجدوى وتوجيه الاستثمارات في قطاع التعدين في السعودية. وبحسب التقارير المتاحة، الجمع بين البيانات الميدانية وتقنيات نظم المعلومات الجغرافية يعزز من فعالية هذه القاعدة.
خاتمة وتطلعات مستقبلية
يقدم العدد الثامن والعشرون منظومة معرفية متكاملة تربط بين البحث العلمي والتطبيق العملي في مجالات الجيولوجيا والتعدين والطاقة والبيئة والتراث. وتبقى متابعة تنفيذ توصيات الدراسات وتطوير قاعدة البيانات الوطنية مؤشراً أساسياً يجب مراقبته خلال الأشهر القادمة.
من المتوقع أن تتابع هيئة المساحة الجيولوجية تحديثات قواعد البيانات وتوسيع مشاريع الاستكشاف والتجارب الميدانية، بينما ينبغي على المهتمين متابعة الإصدارات القادمة والبرامج البحثية المتعلقة بالطاقة الحرارية الأرضية والابتكار في تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي لتعزيز الاستفادة المستدامة من الموارد الوطنية.












