شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لا تعني الاستسلام أو التنازل، في تصريح يعكس سعي بيروت لتأمين مكاسب سياسية وأمنية قبل جولة محادثات مقررة في واشنطن. وتأتي هذه التصريحات بينما تستضيف الولايات المتحدة لقاءات على مستوى السفراء بين لبنان وإسرائيل، وسط غموض حول ما إذا كانت الاجتماعات ستركّز على تمديد وقف إطلاق النار الهش أو تمهيد طريق لحوار أعمق.

في الأيام الأخيرة دفع التوتر المتجدّد لبنان إلى تعزيز تحركاته الدبلوماسية لاستقطاب دعم دولي، لا سيما من فرنسا، وطرح مطالب واضحة تتضمن ضمانات لعودة النازحين وإفراج عن الأسرى وتكريس احتكار الدولة للسلاح. بالمقابل، يبقى التهديد بتصعيد عسكري قائماً في الجنوب إذا لم تتراجع القوات الإسرائيلية عن المواضع التي احتلتها.

المفاوضات المباشرة مع إسرائيل: أهداف ورسائل لبنانية

جاءت تصريحات الرئيس عون لتؤكد أن الهدف من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل يتركز على حل المشكلات الأمنية والإنسانية المتراكمة، لا على التخلي عن الثوابت الوطنية. بحسب مكتب الرئاسة، تضع مبادرة عون الإطارية التي أُعلنت في مارس محورها على وقف الاعتداءات، انسحاب القوات الإسرائيلية، والإفراج عن الأسرى كأولوية قبل البحث في ترتيبات أمنية طويلة الأمد.

في المقابل، تشير المعلومات المتاحة إلى أن بيروت تسعى إلى ضمانات دولية لتمكين الجيش اللبناني من بسط سيطرته على مناطق التوتر ومصادرة السلاح غير الحكومي، كشرط لتعزيز الاستقرار وإعادة النازحين إلى قراهم. لذلك تبدو المحادثات القادمة اختباراً لقدرة الحكومة على تحويل المطالب السياسية إلى تفاهمات قابلة للتطبيق على الأرض.

تحرك دبلوماسي فرنسي وتعزيز المطالب اللبنانية

تحظى باريس بدور بارز في مساعي لبنان لتقوية موقفه الدولي، إذ يبحث رئيس الوزراء نواف سلام مع الرئيس إيمانويل ماكرون سبل دعم بيروت قبل جولة المحادثات في واشنطن. وتركز المباحثات على تأمين مساعدات إنسانية، دعم قوات حفظ السلام، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار والإصلاحات الاقتصادية التي ترى باريس أنها ضرورية لاستعادة سيادة الدولة.

مطالب لبنانية قبل التفاوض

عرضت الحكومة اللبنانية عدة نقاط أساسية أمام شركائها الأوروبيين والعرب، من بينها ضمان الإفراج عن الأسرى، تمكين عودة النازحين، تكريس احتكار الدولة للسلاح، وضع حد للتدخلات الإقليمية، وتعزيز دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. بحسب مسؤولين لبنانيين، تأتي هذه القائمة لتكون أساس أي تفاهم لاحق مع إسرائيل أو في إطار أي هدنة مستدامة.

وتؤكد باريس، بحسب تصريحات لقصر الإليزيه، أنها قادرة على لعب دور ملموس في دعم تنفيذ أي اتفاق سلام، لا سيما أن وجود قوى حفظ سلام دولية على الأرض يُعدّ عاملاً مهماً لنجاح ترتيبات الأمن والمراقبة. لذلك يبقى “دور فرنسا” محورياً في استراتيجية بيروت للحفاظ على توازنات دولية تدعم شروطها الوطنية.

الميدان وخطر التصعيد: وقف إطلاق النار ومقاومة الجنوب

رغم التهدئة المؤقتة التي أفضت إليها لقاءات تمهيدية برعاية أمريكية، لا يزال وقف إطلاق النار هشاً، والقوات الإسرائيلية منتشرة في شريط لبناني يقدر بين 5 و10 كيلومترات على طول الحدود. واعتبرت إسرائيل أن وجودها يهدف إلى إنشاء منطقة عازلة لحماية شمالها، بينما قالت مصادر فرنسية إن هذه المنطقة لن تكون ضرورية في حال إبرام سلام دائم.

حذر رئيس البرلمان نبيه بري من “مقاومة شرسة” في حال استمر الاحتلال الإسرائيلي لتلك المناطق، مؤكداً أن لبنان لن يقبل خسارة متر واحد من أرضه. كما أعرب حزب الله عن معارضته لبعض خطوات التهدئة، مما يعقد المشهد ويضع عوائق أمام تنفيذ أي اتفاق دون ضمانات لوقف التدخلات الخارجية والتصعيد المسلح.

إلى جانب ذلك، تشير تقارير إلى أن الحرب المتجددة منذ مارس أدت إلى خسائر بشرية ونزوح واسع، ما يزيد الضغط على الحكومة اللبنانية لتأمين دعم دولي لمواجهة الأزمة الإنسانية وإعادة الإعمار، وهو بند ضمن مطالب بيروت التي تحاول ربط الأجندة المحلية بالأمن الإقليمي في المفاوضات.

مخاطر وتحديات أمام المفاوضات وانتظار نتائج واشنطن

تواجه المفاوضات عدة تحديات أبرزها الضمانات الدولية لتنفيذ أي اتفاق، وجود فصائل مسلحة غير حكومية على الأرض، والقدرة على تحويل التفاهمات إلى انسحابات فعلية من الحدود. إضافة إلى ذلك، ثمة ضغوط داخلية على الحكومة لكسب مواطنين متضررين وتقديم حلول عاجلة للنازحين والبلدات المتضررة.

من جانب آخر، تبقى واشنطن منصة محتملة لبلورة تفاهمات مؤقتة أو تمديد لوقف إطلاق النار، بينما تسعى باريس إلى لعب دور جسر بين الأطراف. لذلك ستكون الجولة الدبلوماسية القادمة في واشنطن مؤشراً مهماً على إمكانية الانتقال من هدنة هشة إلى آلية سلام قابلة للتطبيق.

خاتمة وتوقعات: ما الذي يجب مراقبته لاحقاً؟

في الأيام المقبلة سيتركز الاهتمام على اجتماع السفراء في واشنطن وخريطة الضمانات الدولية التي قد تُقدّم لتمكين أي اتفاق، بالإضافة إلى متابعة موقف الأطراف الميدانيين وخاصة رسمياً من انسحاب القوات الإسرائيلية ومنع استغلال أي فراغ أمني. ينبغي مراقبة تطورات الإفراج عن الأسرى، إجراءات إعادة النازحين، ووضوح دور فرنسا والقوى الدولية في مراقبة التنفيذ.

تبقى المعادلة دقيقة: إذا نجحت المفاوضات في تأمين انسحاب واضح وضمانات دولية لتهيئة بيئة آمنة، فقد ينفتح طريق لإعادة الإعمار والاستقرار. أما في حال استمرار الاحتلال الجزئي أو غياب ضمانات تنفيذية، فثمة احتمال لتجدد المواجهات الذي يجب أن يظل في صدارة المتابعة المحلية والدولية خلال الأسابيع المقبلة.

شاركها.
اترك تعليقاً