في عالم يشهد تطورات تكنولوجية متسارعة، تظهر حلول مبتكرة لمواجهة التحديات الصحية المعقدة. من بين هذه الحلول، يبرز جهاز “ري فويس” (Revoice) الذي طوره فريق بحثي بجامعة كامبريدج البريطانية، والذي يمثل بصيص أمل للمصابين بالسكتات الدماغية الذين فقدوا القدرة على الكلام. هذا الابتكار، الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يفتح آفاقًا جديدة في مجال علاج السكتة الدماغية واستعادة التواصل، ويقلل الحاجة إلى التدخلات الجراحية التقليدية.

جهاز “ري فويس”: ثورة في علاج فقدان الكلام الناتج عن السكتة الدماغية

يعتبر فقدان القدرة على الكلام (عسر التلفظ) من أبرز وأكثر المضاعفات إعاقةً التي تواجه مرضى السكتة الدماغية. تقليديًا، كان العلاج يعتمد على إعادة التأهيل اللغوي المكثف، وفي بعض الحالات، على زراعة شرائح دماغية. لكن جهاز “ري فويس” يقدم بديلاً واعدًا وغير جراحي.

يعمل هذا السوار الذكي، الذي يرتديه المريض حول العنق، على التقاط الإشارات العصبية الدقيقة الناتجة عن محاولات الكلام، حتى وإن لم يتمكن المريض من إصدار أي صوت. يقوم الجهاز بتحليل هذه الإشارات باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ثم ترجمتها إلى كلمات وجمل مسموعة وواضحة.

كيف يعمل الجهاز؟

يعتمد “ري فويس” على مزيج فريد من التقنيات:

  • المستشعرات عالية الدقة: تلتقط حركات العضلات الدقيقة في العنق والحنجرة والشفاه.
  • خوارزميات الذكاء الاصطناعي: تحلل البيانات الواردة من المستشعرات وتتعرف على الأنماط المرتبطة بمحاولات الكلام.
  • تحليل المشاعر ونبرة الصوت: يضيف الذكاء الاصطناعي لمسة بشرية إلى الصوت الناتج، مما يجعله أكثر طبيعية وتعبيراً.

نتائج مبشرة وتجارب سريرية ناجحة

أظهرت التجارب السريرية الأولية التي أجرتها جامعة كامبريدج نتائج مبهرة. فقد نجح الجهاز في مساعدة خمسة مرضى مصابين بعسر التلفظ الناتج عن السكتة الدماغية على استعادة قدرتهم على التواصل بفعالية.

  • دقة عالية: حققت التجربة نسبة نجاح تتجاوز 95% في التعرف على الكلمات و97% في ترجمة الجمل.
  • تحسين خطط العلاج: أكد الباحثون أن الجهاز يساعد الأطباء والمعالجين على فهم احتياجات المرضى بشكل أفضل ووضع خطط علاجية أكثر تخصيصًا وفعالية.
  • تعزيز الثقة بالنفس: لاحظ الفريق البحثي تحسنًا ملحوظًا في ثقة المرضى بأنفسهم وقدرتهم على التفاعل مع الآخرين بعد استخدام الجهاز.

لويجي أوتشيبينتي، أحد أعضاء الفريق البحثي من قسم الهندسة بجامعة كامبريدج، صرح بأن الجهاز لا يساعد المريض على التواصل فحسب، بل يساهم أيضًا في تحسين عملية العلاج بشكل عام.

آفاق مستقبلية وتوسع نطاق الاستخدام

لا يقتصر طموح فريق البحث على علاج السكتة الدماغية فقط. فهم يخططون لتوسيع نطاق استخدام الجهاز ليشمل مرضى آخرين يعانون من اضطرابات عصبية تؤثر على القدرة على الكلام، مثل مرض باركنسون ومرض العصبون الحركي.

هذا التوسع المحتمل يفتح الباب أمام تحسين جودة حياة ملايين الأشخاص حول العالم الذين يعانون من هذه الحالات. بالإضافة إلى ذلك، فإن تصميم السوار الأنيق والمريح يجعله سهل الاستخدام ومقبولًا اجتماعيًا، مما يزيد من فرص انتشاره واعتماده على نطاق واسع.

ردود فعل إيجابية من الخبراء والمجتمع

حظي هذا الابتكار باستقبال حافل من قبل الخبراء في مجال الرعاية الصحية والمجتمع المدني. جولييت بوفيري، الرئيسة التنفيذية لجمعية السكتة الدماغية في المملكة المتحدة، أعربت عن ترحيبها بالجهاز، مشيرةً إلى أنه يمكن أن يكون له تأثير كبير على حياة أكثر من 1.3 مليون شخص مصاب بالسكتة الدماغية في المملكة المتحدة وحدها.

وأضافت بوفيري أن الجهاز يمكن أن يعزز بشكل كبير من ثقة المرضى بأنفسهم وعلاقاتهم الاجتماعية واستقلاليتهم. هذا التأكيد على الجوانب النفسية والاجتماعية للعلاج يعكس فهمًا شاملاً لأهمية التواصل في حياة الإنسان.

الخطوات التالية نحو التوفر العام

على الرغم من النتائج الواعدة، يؤكد الفريق البحثي أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات والتجارب السريرية قبل اعتماد التقنية بشكل نهائي وتقديمها للمستخدمين. يهدف الفريق إلى إثراء التجربة الفعلية للجهاز وتحسين أدائه ليصبح أداة علاجية فعالة وموثوقة.

العمل جارٍ على جمع المزيد من البيانات وتحليلها، بالإضافة إلى تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة وسرعة الترجمة. من المتوقع أن يستغرق هذا العمل بعض الوقت، لكن الأمل معلق على أن يصبح جهاز “ري فويس” حقيقة واقعة في المستقبل القريب، وأن يساهم في استعادة صوت الحياة للملايين من مرضى إعادة التأهيل العصبي حول العالم. هذا التقدم في مجال التكنولوجيا المساعدة يمثل خطوة هامة نحو مستقبل أكثر شمولية وتقدماً في الرعاية الصحية.

شاركها.
اترك تعليقاً