معرض خيوط من الذاكرة في دمشق: قراءة معاصرة للتراث السوري
يفتتح حالياً في غاليري زوايا بدمشق معرض خيوط من الذاكرة الذي تقدم من خلاله المصممة الألمانية المقيمة في سوريا هايكه فيبر قراءة معاصرة للتراث السوري عبر مجموعة من الأزياء والسجاد والتطريزات. يهدف المعرض إلى إبراز عناصر الهوية السورية المتنوعة وإعادة صياغتها بصيغة تناسب الحاضر دون أن تنفصل عن جذورها.
فكرة المعرض ومضمونها
تركز رؤية هايكه فيبر في معرض خيوط من الذاكرة على جمع محطات تراثية من مختلف مناطق البلاد ورسم خريطة بصرية تمتد من جبال القلمون إلى سهول درعا والجولان المحتل إلى الجزيرة السورية وحلب وحمص ودمشق. بهذا الأسلوب، يسعى العرض إلى تبيان كيف أن لغة التطريز والنقش في بلاد الشام تشترك في رموز ودلالات عميقة عبر بيئات متعددة.
تعتمد التصاميم على نوعين متكاملين: أسلوب مديني برفاهية زخرفية محدودة، وأسلوب ريفي بكثافة زخرفية تمتد على مساحات واسعة. في المقابل، تحتفظ قطع العرض بمراكز تطريز مميزة في الصدر والأطراف لدى نماذج دمشق والمنطقة الوسطى، بينما تمتد التطريزات على أجساد القطع في حوران والجزيرة لتظهر كثافة البنية البصرية الريفية.
تطريز وتراث: رمزانية وخطاب بصري
تحمل القطع المطروحة رموزاً عن الحياة والموت والتعايش مع الطبيعة والكون، وهي عناصر تؤكد وجود مخزون ثقافي متشابه عبر سوريا ولبنان وفلسطين بحسب تصورات المصممة. بالإضافة إلى ذلك، تبرز في المعرض عناصر زخرفية هندسية ونباتية مألوفة في مختلف القرى والمدن، ما يجعل العرض مؤشراً على تقاطعات ثقافية في بلاد الشام رغم الحدود السياسية الحديثة.
من الناحية التقنية، تستعين هايكه بتطريز يدوي محلي وتقنيات نسج تقليدية تعاونت فيها مع نساء سوريات وفلسطينيات على امتداد عقود، وقد انعكس ذلك على دقة التفاصيل وجودة القطع. علاوة على ذلك، يسعى المشروع إلى الحفاظ على لغات الغرز والأقمشة المحلية وتنشيطها بصياغات قابلة للعرض والاستهلاك المعاصر.
عناة: مشروع استمرارية من الثمانينيات
يعود تأسيس مشروع عناة إلى أواخر الثمانينيات بعد سنوات من تنقل المصممة في القرى السورية وتعلم تقنيات الخياطة والتطريز وغرز الذاكرة الاجتماعية. اختارت المصممة اسم عناة انطلاقاً من دلالات قديمة ترتبط بالحياة والتجدد، وأنشأت مشاغل للخياطة في أحياء دمشق مثل حي التضامن وباب شرقي.
بحسبها، شهد المشروع في مراحله الأولى تعاوناً واسعاً مع نساء محليات تجاوز عددهن سابقاً الألف، مما جعله مصدراً للحرف وإمكاناً لتدوير الخبرة المحلية. وفي الوقت نفسه، مثّل المشروع تجربة اجتماعية واقتصادية تربط بين الحفاظ على التراث وخلق فرص عمل للسيدات في ميادين الخياطة والتطريز.
التحديات والصمود أثناء سنوات الحرب
واجه مشروع عناة ومعرض خيوط من الذاكرة صعوبات بالغة خلال سنوات النزاع السوري، تمثلت في نزوح وتهجير جزء كبير من العاملات وفقدان بنية السوق المحلية. وعلى الرغم من ذلك، لم تغادر هايكه فيبر البلاد، بل اختارت الصمود والحفاظ على استمرارية المشروع بموارد محدودة واعتماد على متانة الشبكات المحلية المتبقية.
من ناحية أخرى، أسهمت الأزمة في إعادة تشكيل ملامح الإنتاج وفرضت إعادة ترتيب العلاقات بين المصممات والعاملات والأسواق، مما دفع المشروع إلى تبني صياغات وتصاميم أكثر مرونة تتلاءم مع موارد أقل واحتياجات جديدة للمجتمع.
أهمية المعرض وتأثيره الثقافي
يمثل معرض خيوط من الذاكرة محاولة واضحة لإعادة قراءة التراث كسجل حي لا يشمل المظاهر البصرية فحسب بل قيم العيش المشتركة والتعايش عبر تاريخ طويل. كما يقدّم المعرض نموذجاً لكيفية تحويل الحرف التقليدية إلى أدوات للحفاظ على الهوية وإعادة إنتاجها في سياق معاصر.
تشير التقارير وملاحظات الزوار إلى أن مثل هذه المبادرات تفتح نقاشاً أوسع حول حماية التراث غير المادي والحاجة إلى سياسات تدعم الحرف المحلية، بما في ذلك التدريب، وتوفير الأسواق، وإشراك الجهات الثقافية المحلية والإقليمية.
خلاصة وتوقعات مستقبلية
يؤكد معرض خيوط من الذاكرة على قدرة التراث السوري على العبور والاستمرار عبر صيغ جديدة تجمع بين الأصيل والمعاصر. ومن المتوقع أن يحفز العرض مبادرات مشابهة لحفظ التطريز السوري وإعادة إنتاجه كجزء من الاقتصاد الثقافي المحلي.
ينبغي متابعة ما إذا كانت جهود المصممة ومشروع عناة ستؤدي إلى ورش تدريبية أو تعاونات مؤسسية لاحقة، كما يهم المهتمين بأن يراقبوا برامج الغاليري والمبادرات ذات الصلة التي قد تُعلن لاحقاً لدعم الحرف والحفاظ على ذاكرة الأنسجة المحلية.














