في تطور لافت يُشير إلى تحولات جيوسياسية محتملة في المنطقة، كشفت مصادر إسرائيلية وسورية عن اجتماع مرتقب بين مسؤولي البلدين رفيعي المستوى في باريس، بهدف استئناف المفاوضات حول اتفاق أمني جديد. يأتي هذا الإعلان في ظل ضغوط أمريكية متزايدة، وتسعى واشنطن إلى تحقيق استقرار على الحدود السورية الإسرائيلية، وربما فتح الباب أمام تطبيع العلاقات الدبلوماسية. هذه المفاوضات السورية الإسرائيلية تحمل في طياتها العديد من التحديات والآمال، وتُعد خطوة هامة في مساعي إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في المنطقة.
استئناف المفاوضات: مبادرة أمريكية وتوقعات إقليمية
وفقًا لموقع أكسيوس الإخباري، سيُعقد الاجتماع يوم الاثنين القادم، وسيجمع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وفريق تفاوضي إسرائيلي جديد. يُشرف على هذا المسار المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، الذي سيلعب دور الوسيط الرئيسي. هذه الجولة تمثل الخامسة من نوعها، ولكنها الأولى منذ شهرين، حيث توقفت المحادثات السابقة بسبب الخلافات العميقة واستقالة كبير المفاوضين الإسرائيليين السابق، رون ديرمر.
الضغط الأمريكي على الطرفين هو المحرك الرئيسي لاستئناف هذه الحوارات. خلال لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مارالاغو، شدد ترامب على أهمية التوصل إلى اتفاق قريب، معربًا عن ثقته في أن كلا من إسرائيل والرئيس السوري أحمد الشرع قادران على تحقيق ذلك. هذه المبادرة الأمريكية تعكس رغبة واضحة في احتواء التوترات ووضع إطار للتعاون الأمني.
أهداف الاتفاق الأمني المُقترح: نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي
تتركز الأهداف الرئيسية للمباحثات حول التوصل إلى اتفاق أمني شامل يضمن استقرار الحدود بين سوريا وإسرائيل. يتضمن هذا الاتفاق المقترح جوانب أساسية، على رأسها نزع السلاح من جنوب سوريا، وهو مطلب إسرائيلي رئيسي يهدف إلى إبعاد أي تهديدات محتملة عن أراضيها.
في المقابل، تطالب إسرائيل بـ الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي سيطرت عليها بعد الأحداث التي شهدتها سوريا، وتحديدًا بعد انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. هذا الانسحاب سيشمل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، بالإضافة إلى قمة جبل الشيخ ومناطق أخرى في القنيطرة وريف دمشق. تحقيق هذا التوازن بين المطالب الإسرائيلية والسورية يُعد التحدي الأكبر الذي يواجه المفاوضات.
الخطوط الحمراء الإسرائيلية وحماية الأقلية الدرزية
أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه على الرغم من استئناف المحادثات، إلا أن أي اتفاق يجب أن يحترم “الخطوط الحمراء” الإسرائيلية. لم يتم تحديد هذه الخطوط بشكل صريح، ولكنها يُعتقد أنها تتعلق بضمان عدم تحول سوريا إلى منصة انطلاق للهجمات ضد إسرائيل، ومنع توريد أسلحة متطورة إلى الجماعات المسلحة النشطة في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، شدد نتنياهو على أهمية حماية الأقلية الدرزية داخل الأراضي السورية. هذه القضية تحظى بأهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل، التي تعتبر نفسها حامية لهذه الأقلية.
مهمة الوساطة الأمريكية وتشكيلة الفريق التفاوضي الإسرائيلي
يلعب المبعوث الأمريكي توم باراك دورًا حاسمًا في جهود الوساطة. يمتلك باراك خبرة دبلوماسية واسعة، وتُعد مهمته تسهيل الحوار بين الطرفين وتقديم مقترحات مُرضية لكلا الجانبين. يُنتظر أن يستمر الاجتماع لمدة يومين، مما يتيح فرصة كافية لمناقشة جميع القضايا المطروحة بشكل مفصل.
وتأكيدًا على الجدية الإسرائيلية في هذه المفاوضات، قام نتنياهو بتعيين فريق تفاوضي جديد يرأسه السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، المعروف بقربه من رئيس الوزراء. ويضم الفريق أيضًا الجنرال رومان غوفمان، المرشح لرئاسة جهاز الموساد، وجيل رايش، مستشار الأمن القومي بالإنابة. هذه التشكيلة تعكس رغبة إسرائيل في تقديم رؤية متكاملة وشاملة في المفاوضات، وتضمن تنسيقًا وثيقًا بين مختلف الأجهزة الأمنية والدبلوماسية.
التطورات الميدانية والتحولات الإقليمية
منذ الثامن من ديسمبر 2024، كثفت إسرائيل من عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، بحجة استهداف الجماعات المسلحة التي تهدد أمنها. وقد أسفرت هذه العمليات عن سيطرة إسرائيل على منطقة عازلة وتوسيع نفوذها في مناطق حساسة مثل قمة جبل الشيخ والقنيطرة وريف دمشق. هذه التطورات الميدانية تمنح إسرائيل ورقة ضغط إضافية في المفاوضات، ولكنها في الوقت نفسه قد تُزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
بشكل عام، تأتي هذه المفاوضات في سياق تحولات إقليمية عميقة، حيث تسعى العديد من الدول إلى إعادة تعريف مصالحها وعلاقاتها. النجاح في هذه المباحثات يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وإسرائيل، وهو ما قد يُحدث تغييرًا جذريًا في ميزان القوى في المنطقة.
وفي الختام، يترقب المراقبون عن كثب نتائج اجتماع باريس، ويأملون في أن تؤدي هذه الجولة من المفاوضات إلى تحقيق تقدم ملموس نحو اتفاق أمني مستدام يضمن استقرار الحدود السورية الإسرائيلية، ويساهم في تخفيف التوترات في المنطقة. هل ستنجح الجهود الأمريكية في تحقيق هذا الهدف؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.















