التوتر في حلب: الحكومة السورية وقسد بين الحذر والعمليات الأمنية
يشهد شمال سوريا، وتحديداً مدينة حلب، تصاعداً في التوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) المتمركزة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود. وبينما لا تمثل قسد تهديداً عسكرياً مباشراً للحكومة السورية، إلا أن التعامل مع هذا الملف يتم بحذر شديد، وذلك في ظل الاهتمام الدولي المتزايد بملف الأقليات في سوريا. هذا الحذر يمليه ليس فقط الوضع العسكري، بل أيضاً الاعتبارات السياسية والإنسانية المعقدة التي تحيط بالصراع. الوضع الحالي يثير تساؤلات حول مستقبل هذه المناطق، واحتمالية تحول الاشتباكات إلى مواجهة عسكرية شاملة.
تطورات الوضع في حيي الأشرفية والشيخ مقصود
في الآونة الأخيرة، تصاعدت الاشتباكات بشكل ملحوظ بين الجيش السوري وقسد في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب. ردّاً على ذلك، بدأ الجيش السوري في تحويل هذين الحيين إلى منطقة عسكرية مغلقة، مما يعكس تصعيداً في الإجراءات الأمنية. هذا التحول يهدف إلى عزل قسد وتقييد حركتها داخل الأحياء.
هيئة عمليات الجيش السوري أكدت أن جميع مواقع قسد العسكرية في أحياء حلب أصبحت هدفاً مشروعاً، وذلك بعد تجدد قصف قسد على الأحياء السكنية. هذا التصريح يشير إلى أن الجيش السوري قد يلجأ إلى استخدام القوة العسكرية إذا استمرت قسد في استهداف المدنيين والبنية التحتية.
عمليات أمنية بدلاً من مواجهة عسكرية شاملة
على الرغم من التصعيد، لم تبدأ الحكومة السورية عملية عسكرية واسعة النطاق بالمعنى التقليدي. بدلاً من ذلك، تركز على تنفيذ عمليات أمنية تهدف إلى السيطرة على المجموعات المسلحة التي تتهمها بشن هجمات على قواتها واستهداف المدنيين والبنية التحتية في حلب. هذه الاستراتيجية تعكس رغبة الحكومة في تجنب مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح وتفاقم الوضع الإنساني.
الخبير العسكري اللواء فايز الدويري يرى أن الحكومة السورية ستعتمد بشكل أساسي على نظام العزل والتطويق للمنطقة التي تسيطر عليها قسد، نظراً لصغر حجمها وبعدها عن الطرق الرئيسية وخطوط الإمداد. هذا التكتيك يهدف إلى إضعاف قسد وتقليل قدرتها على المقاومة.
الضغط الدولي وملف الأقليات في سوريا
يكمن التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية في التعامل مع هذا الملف في ظل المراقبة الدولية الدقيقة. العالم يراقب عن كثب تعامل الحكومة مع الأقليات في سوريا، خاصةً مع وجود ثلاث مجموعات طائفية رئيسية (الدروز، والعلويين، والأكراد) في مناطق مختلفة تشهد توترات (السويداء، والساحل، والشمال).
الدويري يؤكد أن الحكومة تتعامل بتأنٍ شديد مع هذه الاشتباكات، إدراكاً منها لحساسية الوضع وأهمية تجنب أي إجراء قد يُنظر إليه على أنه تمييز أو اضطهاد ضد الأقليات. قسد تمثل تحدياً خاصاً، حيث أنها تتكون بشكل أساسي من مقاتلين أكراد، والتعامل العسكري معها قد يثير ردود فعل دولية سلبية.
سيناريوهات محتملة ومخاوف إنسانية
من المتوقع أن تحاول المجموعات المسلحة تنفيذ ما يُعرف بـ “العمليات التنقية” بهدف إعاقة تقدم القوات الحكومية. ومع ذلك، يرى الدويري أن عامل الوقت سيكون في صالح الحكومة السورية، وأن قسد لن تتمكن من الصمود طويلاً في مواجهة عملية التطويق المتوقعة.
الوضع في حلب يثير مخاوف إنسانية كبيرة، حيث أن أي عملية عسكرية قد تؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين ونزوح جماعي للسكان. الدويري يحذر من أن وقوع خسائر في صفوف المدنيين سيكون بمثابة “مشكلة كبيرة” للحكومة السورية، وسيزيد من الضغوط الدولية عليها. لذلك، من الضروري أن تتخذ الحكومة السورية جميع الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى كارثة إنسانية.
مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية وقسد
يبقى مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية وقسد غير واضح. الخيار الأمثل هو التوصل إلى حل سياسي يضمن حقوق جميع الأطراف ويحافظ على الاستقرار في المنطقة. الحكومة السورية قد تسعى إلى دمج بعض عناصر قسد في قواتها المسلحة، مع تقديم ضمانات لحماية حقوق الأكراد.
ومع ذلك، فإن هذا الحل يتطلب توافقاً سياسياً بين جميع الأطراف المعنية، وهو أمر ليس سهلاً في ظل الوضع السياسي المعقد في سوريا. في الوقت الحالي، يبدو أن الحكومة السورية تفضل اتباع نهج حذر وتدريجي، مع التركيز على العمليات الأمنية وتجنب المواجهة العسكرية الشاملة.
الخلاصة
الوضع في حلب يمثل اختباراً حقيقياً للحكومة السورية، حيث يجب عليها أن تتعامل مع قسد بحذر شديد، مع مراعاة الاعتبارات السياسية والإنسانية المعقدة. العمليات الأمنية قد تكون الخيار الأفضل في الوقت الحالي، ولكن يجب أن تكون مصحوبة بجهود دبلوماسية للتوصل إلى حل سياسي مستدام. مستقبل سوريا يعتمد على قدرة جميع الأطراف على التعاون والتفاهم، والعمل معاً من أجل بناء مستقبل أفضل للجميع. تابعوا آخر التطورات في الأحداث السورية وشاركوا بآرائكم حول هذا الموضوع الهام.















