في ميانمار، بدأت اليوم الأحد 25/1/2026 الجولة الأخيرة من الانتخابات العامة المثيرة للجدل، والتي من المتوقع أن تعزز قبضة الجيش على السلطة. تأتي هذه الانتخابات بعد خمس سنوات من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة بقيادة أونغ سان سو تشي، وتثير تساؤلات واسعة حول مدى تمثيلها لإرادة الشعب الميانماري. هذه العملية الانتخابية، التي جرت على ثلاث مراحل، تشكل تتويجًا لجهود الجيش لترسيخ حكمه من خلال مؤسسات الدولة.
خلفية الانتخابات وأهدافها
تعتبر هذه الانتخابات العامة بمثابة محاولة من المجلس العسكري الحاكم لإضفاء الشرعية على سلطته بعد الإطاحة بحكومة أونغ سان سو تشي في فبراير 2021. وقد أثارت هذه الخطوة إدانات دولية واسعة النطاق، حيث يرى العديد من المراقبين أنها مجرد واجهة لإعادة إنتاج نظام حكم عسكري.
منذ استقلاله عام 1948، شهدت ميانمار فترات طويلة من الحكم العسكري، مع فترة قصيرة من الانفتاح الديمقراطي بين عامي 2011 و 2021. لكن الانقلاب الأخير أعاد البلاد إلى المربع الأول، وأغرقها في صراع داخلي واسع النطاق.
دور الجيش في العملية الانتخابية
يضمن الدستور الميانماري تخصيص 25% من مقاعد البرلمان للجيش، مما يمنحه حق النقض الفعال على أي تشريع. بالإضافة إلى ذلك، فاز الحزب المدعوم من الجيش، حزب التضامن والتنمية الاتحادي، بمعظم المقاعد المتنافس عليها في الجولتين الأوليين من التصويت. هذا يضع الجيش وحلفائه في موقع مهيمن يسمح لهم بتشكيل حكومة جديدة بسهولة.
ردود الفعل الدولية والاعتراضات الداخلية
العديد من الدول والمنظمات الدولية أعربت عن قلقها العميق بشأن الانتخابات العامة في ميانمار. رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تنتمي ميانمار إليها، لم ترسل مراقبين للانتخابات، ولم تعلن عن اعترافها بالنتائج، وذلك بسبب مخاوف بشأن عدم وجود مشاركة شاملة وحرة.
وزير الخارجية الماليزي محمد حسن صرح أمام البرلمان بأن الآسيان لن تصادق على هذه الانتخابات. هذا الموقف يعكس حالة عدم الرضا المتزايدة داخل الآسيان تجاه الوضع في ميانمار.
الانتقادات الداخلية وشرعية الانتخابات
المنتقدون داخل ميانمار يصفون هذه الانتخابات بأنها “مسرحية هزلية” تهدف إلى تضليل المجتمع الدولي. يشيرون إلى القيود المفروضة على المعارضة، والتلاعب بالناخبين، وغياب الاستقلالية للجنة الانتخابية.
بالإضافة إلى ذلك، لا تجرى الانتخابات في مناطق واسعة من البلاد تخضع لسيطرة الجماعات المتمردة، مما يعني أن ملايين الميانماريين محرومون من حقهم في التصويت. هذه العوامل مجتمعة تثير تساؤلات جدية حول شرعية الانتخابات وقدرتها على عكس إرادة الشعب. الوضع السياسي المعقد في ميانمار، بما في ذلك الحرب الأهلية المستمرة، يزيد من صعوبة إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
التوقعات والنتائج المحتملة
على الرغم من الانتقادات الواسعة، يتوقع المراقبون فوزًا ساحقًا للحزب الموالي للجيش في الانتخابات العامة. من المرجح أن يعلن الحزب عن فوزه غدًا الاثنين، حتى قبل صدور النتائج الرسمية التي من المتوقع أن تصدر في نهاية الأسبوع المقبل.
هذا الفوز سيسمح للجنرال مين أونغ هلاينغ، رئيس الحكومة العسكرية الحالية، بتولي منصب الرئاسة عندما يجتمع البرلمان الجديد. سيؤدي ذلك إلى ترسيخ سلطة الجيش، وإلى إخماد أي آمال في عودة سريعة إلى الديمقراطية.
مستقبل ميانمار السياسي
مستقبل ميانمار السياسي يبدو قاتمًا في ظل استمرار سيطرة الجيش. الأزمة السياسية المتفاقمة، إلى جانب الصراع المسلح، تهدد بتقويض استقرار البلاد، وتعميق معاناة الشعب الميانماري.
من الضروري أن يمارس المجتمع الدولي ضغوطًا مستمرة على الجيش الميانماري لإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، والسماح بعودة الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان. كما يجب على الآسيان أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في حل الأزمة في ميانمار، من خلال التوسط بين الأطراف المتنازعة، وتقديم المساعدة الإنسانية للمتضررين.
الخلاصة
تمثل الانتخابات العامة في ميانمار منعطفًا حاسمًا في تاريخ البلاد. على الرغم من أنها قد تؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة، إلا أنها لا تحل الأزمة السياسية العميقة التي تعاني منها ميانمار. من الضروري أن يظل المجتمع الدولي يقظًا، وأن يواصل دعم جهود الشعب الميانماري نحو الديمقراطية والحرية. الوضع يتطلب مراقبة دقيقة وتحليلًا معمقًا لفهم التداعيات المحتملة على المنطقة والعالم. نأمل أن تشهد ميانمار مستقبلًا أكثر إشراقًا، حيث يتمتع شعبها بالحق في تقرير مصيره بحرية ودون تدخل.


