اليمن، وتحديداً مدينة شبام التاريخية، تشهد تدهوراً متسارعاً في معالمها الأثرية. قبل ساعات من بدء السلطات في هدم منزل متصدع، انهار جزء منه في مدينة شبام بمحافظة حضرموت، مما سلط الضوء على المخاطر المحدقة بهذا الصرح المعماري الفريد، المسجل على قائمة التراث العالمي منذ عام 1982. هذا الحادث الأخير، الذي لم يسفر عن خسائر بشرية، يمثل جرس إنذار حول مستقبل مدينة شبام العريقة.

انهيار مفاجئ يثير القلق حول مستقبل شبام

المنزل المنهار، المكون من ثلاثة طوابق، كان يعاني من تشققات متزايدة بسبب تسرب المياه الذي أضعف أساساته وجدرانه. بعد تقييم فني، تقرر إخلاء السكان والبدء في إجراءات الهدم للحفاظ على سلامة الآخرين، نظراً لصعوبة إنشاء دعامات كافية. لكن قبل تنفيذ ذلك، انهار جزء من المبنى بشكل غير متوقع. هذا الحادث يضاف إلى سلسلة من الانهيارات التي شهدتها المدينة في السنوات الأخيرة، مما يزيد من الضغوط على الجهود المبذولة للحفاظ عليها.

عوامل التدهور: مزيج من الطبيعة والبشر

لا يقتصر التدهور الذي تعاني منه مدينة شبام على عامل واحد، بل هو نتيجة لتضافر عدة عوامل طبيعية وبشرية. تعتبر شبام، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، تحفة معمارية فريدة من نوعها، حيث تتميز بمبانيها الشاهقة المصنوعة من الطين، والتي يصفها البعض بأنها “ناطحات سحاب طينية”. ومع ذلك، فإن هذه المباني معرضة بشكل خاص للتآكل بسبب العوامل الجوية، وخاصة الأمطار الغزيرة والتغيرات المناخية المتسارعة.

إضافة إلى ذلك، تلعب العوامل البشرية دوراً كبيراً في تفاقم الوضع. فالصراع الدائر في اليمن والحالة المعيشية الصعبة للمواطنين تمنعهم من ترميم وصيانة منازلهم بشكل دوري. قلة الوعي بأهمية الحفاظ على التراث، وتسرب المياه بسبب الإهمال، كلها عوامل تساهم في تدهور هذه المدينة التاريخية. الحفاظ على التراث اليمني أصبح تحدياً كبيراً.

شبام على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر

في عام 2015، أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو مدينة شبام وسورها على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وذلك بسبب الأخطار المحدقة بها نتيجة للنزاع في اليمن. وأكدت المنظمة أن الصراع يزيد من تعقيد التحديات التي تواجه جهود صون هذا الموقع الاستثنائي.

تضم المدينة أكثر من 465 منزلاً ومبنى، غالبيتها تتكون من 5 إلى 8 طوابق، مما أكسبها لقب “العالية” أو “مانهاتن الصحراء”. تتميز شبام ببوابة رئيسية واحدة كانت تستخدم للتحكم في الدخول والخروج وحماية المدينة من الهجمات.

جهود الحماية تواجه صعوبات

مدير عام الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية بشبام، حسن عيديد، حذر من تزايد المخاطر التي تواجه المدينة، مشدداً على الحاجة الماسة إلى برامج وتمويل مستدام لتنفيذ سياسة الحفظ والصون. وأشار إلى أن المدينة تواجه تحديات متعددة، بما في ذلك التغير المناخي، والأمطار الغزيرة، واستمرار الصراع، والظروف المعيشية الصعبة التي تعيق قدرة المواطنين على ترميم منازلهم.

وأوضح عيديد أن الهيئة تواجه صعوبات كبيرة بسبب الأزمة المستمرة والحرب والصراع السياسي، مما أدى إلى توقف الدعم الحكومي وضعف أداء مؤسسات الدولة. ولذلك، لجأت الهيئة إلى فتح قنوات تواصل مع المانحين، وعلى رأسهم اليونسكو، للحصول على الدعم اللازم للحفاظ على شبام.

دعم اليونسكو والمنظمات الدولية: خطوات نحو الإنقاذ

بدأت اليونسكو في تنفيذ بعض التدخلات في عام 2019، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، من خلال مشروع يهدف إلى ترميم المباني وصيانة البنية التحتية وتوفير التدريب والتوعية. كما توصلت الهيئة إلى اتفاق مع منظمة “أليف” لتقديم مشروع طارئ بالشراكة مع مؤسسة الدراسات الأميركية البشرية، والذي يشمل ترميم 63 مبنى.

سفير اليمن ومندوبه الدائم لدى اليونسكو، محمد جميح، أكد أن التغيرات المناخية والأمطار الغزيرة لعبت دوراً كبيراً في الانهيارات التي شهدتها شبام ومدن يمنية أخرى مثل صنعاء وزبيد. وأشار إلى أن اليونسكو تنفذ حالياً مشروعاً مدعوماً من الاتحاد الأوروبي يهدف إلى ترميم المباني في شبام، بالإضافة إلى مواقع التراث العالمي الأخرى في اليمن.

دعوات لتكثيف الجهود والاهتمام بالمواطنين

الصحفي علوي بن سميط، وهو أحد سكان شبام القديمة، أشار إلى أن حوالي 3 إلى 4 بيوت داخل المدينة القديمة أصبحت في حالة حرجة ومهددة بالانهيار خلال العامين الماضيين. ويرى بن سميط أن شبام تحتاج إلى مستوى أكبر من التدخل الدولي، مع التأكيد على ضرورة الاهتمام أولاً بالمواطنين، لأن الاهتمام بالبشر هو الذي سيساهم في الوعي العام والمسؤولية تجاه المدينة.

المواطن الشبامي عبد الله جمعان ودعان دعا الجهات المانحة إلى تكثيف جهودها ودعم المدينة بشكل أكبر، من خلال تدخلات تواكب التغيرات الحاصلة. واقترح وضع خطة وآلية خلال العام يتم من خلالها استهداف أكبر عدد ممكن من المنازل وصيانتها.

مستقبل شبام: بين التحديات والآمال

إن الحفاظ على مدينة شبام يتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة اليمنية، واليونسكو، والمنظمات الدولية، والمجتمع المحلي. يجب توفير التمويل اللازم لتنفيذ مشاريع الترميم والصيانة، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على التراث، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين. فشبام ليست مجرد مدينة تاريخية، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية اليمنية، ورمز للإبداع المعماري الإنساني. الاستثمار في الحفاظ على شبام هو استثمار في مستقبل اليمن وتراثه الثقافي.

شاركها.
اترك تعليقاً