منذ بداية العام الجاري والحديث لا ينقطع عن احتمال هجوم عسكري على إيران، حتى مع عقد جولات من المفاوضات بين الجانبين، ليبقى الغموض سيد الموقف، في حين يحتفظ الرئيس الأمريكي وحده على ما يبدو بكلمة السر أو ساعة الصفر. هذا التوتر المتصاعد يثير قلقاً دولياً واسعاً، ويدفع المحللين إلى محاولة فهم السيناريوهات المحتملة وتداعياتها. فما إن أكمل دونالد ترمب العام الأول من ولايته الثانية حتى عاد ليصعّد لهجته متحدثا بالتلميح والتصريح عن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، علما بأنه قام بذلك فعلا عندما أرسل قاذفاته الثقيلة لقصف إيران في الأيام الثلاثة الأخيرة مما عُرفت بحرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو/حزيران الماضي.

تصعيد التوتر: هل نشهد حرباً وشيكة على إيران؟

الحديث عن هجوم عسكري على إيران لم يكن مجرد تصريحات عابرة، بل ترجمة على أرض الواقع من خلال حشد عسكري أمريكي مكثف في المنطقة. ووقتها قال ترمب إن المنشآت النووية الإيرانية التي استهدفها القصف الأمريكي “دُمّرت بالكامل”، ثم عاد لتأكيد ذلك في الشهر التالي، ردا على تقرير لشبكة “إن بي سي” أفاد بأن بعض هذه المواقع صمد إلى حد بعيد. ومع ذلك فإن الولايات المتحدة عادت مجددا للحديث عن خطر نووي وصاروخي تمثله إيران، لتتوالى عبر الأسابيع الماضية تصريحات ومواقف أثارت الكثير من القلق ليس في الشرق الأوسط فقط، بل ربما بلغ صداها نطاقا أوسع من هذا العالم.

غموض القرار الأمريكي: ترمب يحتفظ بـ “ساعة الصفر”

لا أحد يعلم على وجه اليقين ما الذي يدور في ذهن الرئيس الأمريكي. ما يلفت النظر في حروب ترمب أنك لا تستطيع أن تتحدث بأي درجة من اليقين عما يمكن أن يحدث. يكفي أن تراجع تصريحات الأسابيع القليلة الماضية لتتأكد من ذلك. ففي غضون أيام قلائل بل خلال اليوم الواحد يمكنك أن تسمع أخبارا، بعضها عن تواصل الحشد لضربة وشيكة، وأخرى عن مفاوضات تمضي قدما.

أما إن كنت تحتاج إلى دليل إضافي، فإليك ما نقله موقع أكسيوس الإخباري عن مسؤول أمريكي رفيع لم يكشف هويته، قال إنه حتى أقرب مستشاري الرئيس الأمريكي لا يعرفون ما الذي سيقرره أو متى سيفعل! يقول أحد كبار مستشاري ترمب (وفقا لأكسيوس) “لم يقرر الرئيس بعدُ شن هجوم. أعلم ذلك لأننا لم نشن هجوما. قد لا يفعلها أبدا. قد يستيقظ غدا ويقول: هذا كل شيء”. هذا يؤكد ما قالته أيضا المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي “قد تستمر وسائل الإعلام في التكهن بتفكير الرئيس كما تشاء، لكن الرئيس ترمب وحده يعلم ما قد يفعله أو لا يفعله.”

ما الذي يجري؟ خيارات على الطاولة

محاولة فهم ما يجري باتت أمراً صعباً، فما بالك بمحاولة توقع ما قد يحدث! موقع أكسيوس نقل عن المسؤول الأمريكي الرفيع تصريحا قد يبدو مألوفاً، لكنه في الواقع مجرد عرض لخيارات جرى الحديث عنها مراراً وتكراراً. المسؤول يقول إن “ترمب لم يقرر بعد شن هجوم على إيران، لكنه يبقي خياراته مفتوحة، وقد يقرر ذلك في أي لحظة”.

ويتواصل التصريح بالطريقة نفسها “حمّالة الأوجه”، فهو يتحدث عن استعداد واشنطن لقبول مقترح بتخصيب إيران لليورانيوم بشرط أن يتم ذلك بشكل رمزي ودون أن يساعد إيران بأي شكل على امتلاك قنبلة نووية. ويضيف المسؤول “على الإيرانيين تقديم عرض لا يمكننا رفضه إذا رغبوا في منع وقوع هجوم”، كما يقول إن الرئيس ترمب سيكون مستعدا لقبول اتفاق جوهري يمكن تسويقه سياسيا في الداخل.

هل هو حشد استعراضي أم استعداد للحرب؟

يتساءل الكثيرون عن احتمال أن يكون هذا الحشد العسكري الكبير من جانب الولايات المتحدة مجرد ورقة ضغط على إيران. لكن الرد على ذلك يأتي من المحللين والخبراء الذين يرون أن القطب العالمي الأوحد ليس بحاجة إلى كل هذه القوات لمجرد ممارسة الضغط. كما نقلت وكالات الأنباء عن خبراء ومسؤولين سابقين في البنتاغون تأكيدهم أن حجم هذه التعزيزات العسكرية وسرعة تنفيذها يجعلان الهجوم يبدو أكثر احتمالا من أي وقت مضى.

هذا الحشد الأمريكي في الشرق الأوسط هو الأضخم منذ غزو العراق في عام 2003، ويشمل مقاتلات شبحية متطورة، وطائرات إنذار مبكر، وأنظمة دفاع جوي. وفي البحر، تتموضع حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” مدعومة بعدد من المدمرات، بينما انطلقت نحوها حاملة الطائرات “جيرالد فورد”.

سيناريوهات الحرب المحتملة: من الضربات المحدودة إلى حرب شاملة

في توقعاتها لخيارات ترمب بشأن إيران، قالت مجلة نيوزويك إن أي هجوم سيقرره الرئيس الأمريكي سيتجاوز حجم العملية العسكرية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية متفرقة. وتشمل الخيارات المتاحة جولات جديدة من الضربات العسكرية، أو اغتيالات لكبار القادة الإيرانيين، أو حملة عسكرية طويلة الأمد قد تشبه حرب خليج ثالثة.

وتشير وول ستريت جورنال إلى أن ترمب تلقى إحاطات عسكرية تتضمن خيارات متعددة، تتراوح بين ضربات مركزة وحملة أوسع تهدف إلى شل القيادة الإيرانية. كما تحدثت المصادر عن سيناريوهات تتضمن استهداف عشرات القادة السياسيين والعسكريين في إطار ما تُعرف بـ”إستراتيجية قطع الرأس”.

دور إسرائيل في المشهد

إسرائيل حاضرة على الدوام في هذا الصراع، سواء كلاعب أساسي أو محرك في الكواليس. ولا يبدو صعباً على من يتابع الأحداث أن يلمس السعي الإسرائيلي الدائم لتسخين الجبهة مع إيران ومحاولة دفع واشنطن نحو مهاجمتها. تؤكد ذلك صحيفة نيويورك تايمز التي قالت إن إسرائيل ليست مجرد مراقب، بل هي شريك أساسي في التخطيط وتضغط باتجاه عمل عسكري يحد من قدرة إيران الصاروخية.

مخاوف من إشعال المنطقة وتداعيات عالمية

قبل شهر، وصلت التصريحات الأمريكية ضد إيران إلى ذروتها، قبل أن يخرج الرئيس الأمريكي بشكل مفاجئ للحديث عن التراجع عن ضرب إيران. الأنباء تحدثت عن مخاوف دول المنطقة من آثار مثل هذه الحرب، بل وذكرت أن إسرائيل نفسها طلبت التأجيل. المخاوف من آثار حرب كهذه تكتسب أهمية كبيرة، خصوصا مع عدم وضوح الرؤية الأمريكية والهدف من الحرب.

يشكك مسؤولون إقليميون وأوروبيون في قدرة العمل العسكري على تغيير مسار النظام الحاكم في إيران. ومع غياب قوة سياسية بديلة واضحة، يحذر المسؤولون من أن افتراض أن الضربات قد تؤدي إلى انهيار النظام أمر محفوف بالأخطار.

حسابات الداخل الأمريكي وتأثيرها على القرار

تبقى حسابات الداخل الأمريكي عنصراً مؤثراً، خصوصاً مع اقتراب التجديد النصفي للكونغرس. تنقل صحيفة نيويورك تايمز عن خبراء أن الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران سيكون أكثر تعقيدا من عملية اعتقال مادورو في فنزويلا، وقد يؤدي إلى جر الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد.

ويريد مستشارو البيت الأبيض ومسؤولو حملة الحزب الجمهوري أن يركز ترمب على الاقتصاد، وهو أمر تم تأكيده بوصفه القضية الأكثر أهمية في الحملة.

موقف إيران: رد “حازم ومتناسب”

على الجانب الآخر، لا تقف طهران مكتوفة الأيدي، وهي تؤكد أنها يجب أن تحتفظ بقدراتها النووية، وترفض مناقشة صواريخها الباليستية. وفي مواجهة التهديدات الأمريكية، حذرت إيران من أنها سترد “بحزم وبصورة متناسبة” إذا تعرضت لأي عدوان عسكري، وقالت إن جميع القواعد والمنشآت العسكرية التابعة للقوة المهاجمة ستكون “أهدافا مشروعة”.

الوضع الحالي يتطلب حذراً شديداً ودبلوماسية مكثفة لتجنب سيناريو كارثي قد يشعل المنطقة بأكملها. مستقبل العلاقات مع إيران يظل معلقاً على قرارات الرئيس ترمب، وعلى استعداد الأطراف المعنية للحوار والتفاوض.

شاركها.
اترك تعليقاً