تحليل عسكري: أسباب انسحاب “قسد” من دير حافر وتداعياته
يشهد ريف حلب الشرقي تطورات عسكرية متسارعة، كان آخرها سيطرة الجيش السوري على مدينة دير حافر واستكمال عملية الانسحاب من قبل قوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا الانسحاب، الذي تم في ظروف معينة، يطرح تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراءه والتداعيات المحتملة على المشهد العسكري والسياسي في المنطقة. يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد حسن جوني أن هذا الانسحاب لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة حتمية لمعادلة عسكرية غير مواتية، بالإضافة إلى اعتبارات سياسية دفعت باتجاه تجنب المواجهة المباشرة مع الجيش السوري. هذا التحليل سيتناول بالتفصيل الأسباب الكامنة وراء هذا الانسحاب، وتقييم الوضع العسكري الحالي، والتحديات الأمنية المحتملة.
لماذا انسحبت “قسد” من دير حافر؟ تقييم الوضع العسكري
أكد العميد جوني أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أدركت جيدًا أن القتال داخل مدينة دير حافر سيفرض عليها تكلفة عسكرية باهظة. التفوق الناري الواضح للجيش السوري، وفقدان الأمل في الصمود أو الدفاع عن المدينة في حال اندلاع معركة واسعة، دفعها إلى اتخاذ قرار الانسحاب. من الناحية الجغرافية والعسكرية، تمثل دير حافر “ثغرة” في المجال الحيوي لقطاع حلب، حيث تقع غرب الفرات في منطقة مكشوفة يصعب تأمينها لوجستيًا، مما يجعل خطوط الإمداد عرضة للقطع من قبل الجيش السوري.
ضعف التشكيل العسكري لـ “قسد” غرب الفرات
أشار العميد جوني إلى أن قوات “قسد” تفتقر إلى التشكيل العسكري المتكامل، خاصة في المناطق غرب الفرات. تعتمد “قسد” بشكل أساسي على عناصر مشاة بأسلحة خفيفة ومتوسطة، مع غياب المدرعات والقدرات الدفاعية التي تمكنها من خوض معركة مواجهة تقليدية ضد جيش نظامي. هذا النقص في القدرات العسكرية جعل مهمة الدفاع عن دير حافر شبه مستحيلة.
ترتيبات سياسية أم فرض عسكري؟ تحليل عملية الانسحاب
على الرغم من أن عملية الانسحاب بدت سلسة نسبيًا، إلا أن العميد جوني يرى أنها لم تكن خطوة طوعية بالكامل. بل كانت استجابة مباشرة للضغط العسكري المتزايد الذي مارسه الجيش السوري، خاصة بعد إظهار قدرته على استخدام القوة النارية في منطقة مفتوحة تفتقر إلى الغطاء الدفاعي الفعال.
وبحسب العميد جوني، تزامن الانسحاب مع إعلان هيئة العمليات في الجيش السوري تأمين خروج أكثر من 200 عنصر من “قسد” بأسلحتهم من دير حافر ومحيطها، وبسط السيطرة على 14 قرية وبلدة شرق المدينة. هذا يشير إلى وجود ترتيبات سياسية لاحقة جاءت لتغليف قرار عسكري فرضته ميزان القوى، أكثر من كونها تفاهمًا ميدانيًا منسقًا بشكل كامل. ومع ذلك، شدد على أن هذا لا يرقى إلى مستوى التنسيق العملياتي الكامل، حيث سبق الانسحاب دخول الجيش السوري، مما تجنب الاحتكاك المباشر ولكنه ترك فراغًا أمنيًا مؤقتًا.
التحديات الأمنية المحتملة بعد سيطرة الجيش السوري
مع سيطرة الجيش السوري على دير حافر وتوسع نطاق سيطرته في ريف حلب الشرقي، تبرز تحديات أمنية جديدة. يرى العميد جوني أن الفجوة الزمنية بين انسحاب “قسد” ودخول الجيش السوري قد تفتح المجال أمام ثغرات أمنية مؤقتة، يمكن أن تستغلها مجموعات متطرفة مثل تنظيم الدولة.
ومع ذلك، يقلل من حدة هذا الاحتمال، مشيرًا إلى أن الجيش السوري يتبع استراتيجية “الزحف البطيء الحكيم”، والتي تركز على تأمين الطرق الرئيسية والمداخل قبل التوغل في الأحياء الداخلية. بالإضافة إلى ذلك، حذر الجيش السوري المدنيين من دخول مناطق العمليات إلى حين استكمال إزالة الألغام، بالتزامن مع انتشار الشرطة العسكرية وبدء تفكيك السواتر الترابية في دير حافر ومسكنة.
عقيدة “قسد” القتالية: اختلاف بين ضفتي الفرات
أوضح العميد جوني أن عقيدة “قسد” القتالية تختلف بشكل جذري بين المناطق الواقعة شرق الفرات وتلك الواقعة غربًا. تعتبر المناطق الشرقية مناطق تمركز استراتيجية استثمرت فيها “قسد” بشكل كبير في التحصينات والبنية العسكرية. بينما في المناطق الغربية، اعتمدت “قسد” على قوات مرنة وحركة استنزاف محدودة.
وبناءً على هذا التقييم، فإن دير حافر لم تكن تضم منشآت أو تحصينات عسكرية كبيرة تستدعي دفاعًا طويل الأمد، مما جعل قرار الانسحاب أكثر سهولة من الناحية العملياتية مقارنة بمناطق أخرى شرق النهر. هذا الفارق في الاستراتيجية يعكس طبيعة التحديات المختلفة التي تواجهها “قسد” في كل منطقة.
مستقبل الوضع في ريف حلب الشرقي
إن سيطرة الجيش السوري على دير حافر تمثل خطوة مهمة في إطار خطته لتثبيت السيطرة وإعادة الاستقرار إلى ريف حلب الشرقي. التقدم المستمر نحو مدينة مسكنة، وتأمين المزيد من القرى والبلدات، يشير إلى تسارع وتيرة الانتشار العسكري. ومع ذلك، يبقى التحدي الأمني قائمًا، ويتطلب من الجيش السوري بذل جهود كبيرة لتأمين المنطقة ومنع عودة الجماعات المتطرفة. الوضع في ريف حلب الشرقي يتطلب مراقبة دقيقة وتحليلًا مستمرًا لفهم التطورات المتلاحقة وتداعياتها المحتملة. قسد وانسحابها من دير حافر يمثل نقطة تحول في المشهد العسكري، والجيش السوري يسعى لملء الفراغ الأمني وتحقيق الاستقرار.
في الختام، يمكن القول أن انسحاب “قسد” من دير حافر كان قرارًا استراتيجيًا مبنيًا على تقييم دقيق للوضع العسكري والسياسي. الآن، يقع على عاتق الجيش السوري مسؤولية تأمين المنطقة ومنع أي تهديدات مستقبلية. نأمل أن يساهم هذا التحليل في فهم أعمق للتطورات الجارية في ريف حلب الشرقي.















