في زيارة تحمل دلالات عميقة، اختتم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارته للبنان يوم أمس، مؤكداً على بداية “فصل جديد” في العلاقات الثنائية. الزيارة، التي جاءت في ظل توترات إقليمية متصاعدة وجهود لبنانية لحصر السلاح، سلطت الضوء على التحديات والفرص التي تواجه كلا البلدين. وتُعد هذه الزيارة، التي جرت في الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، محور اهتمام كبير فيما يتعلق بمستقبل العلاقات الإيرانية اللبنانية والتأثيرات المحتملة على الاستقرار الإقليمي. لا سيما وأنها جاءت بالتزامن مع إعلان الجيش اللبناني عن تقدم في نزع سلاح حزب الله في جنوب البلاد.
زيارة عراقجي للبنان: نقطة تحول أم تأكيد على الوضع الراهن؟
بدأت زيارة عراقجي إلى بيروت الخميس برئاسة وفد اقتصادي، وتخللتها لقاءات مهمة مع كبار المسؤولين اللبنانيين، بما في ذلك الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. في كلمته خلال المؤتمر الصحفي، صرّح عراقجي أن بلاده تسعى إلى علاقة مع لبنان تقوم على المودة والاحترام المتبادل، مع التأكيد على حرص طهران على استقلال ووحدة وسيادة لبنان.
وتأتي تأكيدات عراقجي في سياق الجهود اللبنانية الرامية إلى تعزيز دور الدولة وسلطتها، وهو ما عبر عنه بشكل صريح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي. فقد دعا رجي إيران إلى تبني “مقاربة جديدة” فيما يتعلق بسلاح حزب الله، تتماشى مع حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وأكد أن الدفاع عن لبنان هو مسؤولية الدولة وحدها، وأن الدعم الإيراني يجب أن يكون موجهاً مباشرة إلى الدولة ومؤسساتها.
موقف لبنان الرسمي: حصر السلاح كشرط أساسي
أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي بشكل قاطع أن بناء دولة قوية يتطلب حصر صنع القرار في مجالي الحرب والسلم والسلاح بيد الدولة فقط. يعد هذا الموقف أساسياً في طلب المساعدة من الدول الأخرى، بما في ذلك إيران، حيث أن وجود سلاح خارج سيطرة الدولة يمثل عائقاً أمام تحقيق الاستقرار والسيادة. كما أشار رجي إلى أن الحفاظ على وحدة الطوائف تحت مظلة الدولة هو أمر بالغ الأهمية لتحقيق الأمن والاستقرار، محذراً من أن سلاح حزب الله يمكن أن يُستخدم كذريعة لإضعاف لبنان أو أي من طوائفه.
التحديات المطروحة: سلاح حزب الله والدعم الإيراني
النقاط الخلافية بين الجانبين تركزت بشكل أساسي حول سلاح حزب الله، والدعم الإيراني المقدم للحزب. بينما تؤكد إيران على دعمها لحزب الله كجزء من “محور المقاومة” في مواجهة ما تسميه “الكيان الصهيوني” الذي اعتبر الطرفان أنه يهدد لبنان، تصر لبنان على ضرورة حصر السلاح في يد الدولة.
عراقجي أوضح أن إيران تدعم حزب الله كمجموعة مقاومة، لكنه شدد على أن طهران لا تتدخل في شؤونه الداخلية، وأن أي قرار يتعلق بلبنان متروك للحزب نفسه. بالمقابل، دعا رجي إيران إلى البحث مع لبنان عن “مقاربة جديدة” بشأن هذا السلاح، من خلال الاستفادة من علاقة إيران بالحزب.
التنسيق الاقتصادي والتجاري: فرصة لتعزيز العلاقات
على الرغم من الخلاف حول سلاح حزب الله، هناك توافق واضح حول أهمية تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين. اقترح الرئيس عون تفعيل التنسيق بين الوزارات المعنية من خلال اللجان المشتركة، خاصة وزارتي الخارجية والاقتصاد والتجارة. ويشكل هذا التوجه فرصة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين لبنان وإيران، وربما المساهمة في تخفيف الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان. كما يمكن أن يساهم هذا التعاون في بناء الثقة وتسهيل حوار بناء حول القضايا الأكثر إثارة للجدل، مثل سلاح حزب الله.
مستقبل العلاقات الإيرانية اللبنانية: رؤى متضاربة
زيارة عراقجي للبنان، على الرغم من الجهود المبذولة لتقديمها على أنها بداية مرحلة جديدة، كشفت عن اختلاف في المقاربات حول قضايا رئيسية. بينما تؤكد إيران على دعمها للمقاومة، يصر لبنان على ضرورة تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح في يدها.
ومع ذلك، يبقى هناك أمل في إيجاد أرضية مشتركة من خلال الحوار والتفاوض. فالمصالح المشتركة، مثل مواجهة التهديدات الإقليمية وتطوير التعاون الاقتصادي، يمكن أن تكون بمثابة نقاط انطلاق لتعزيز العلاقات الإيرانية اللبنانية بشكل بناء ومستدام. يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن الأطراف المعنية من تجاوز الخلافات وتحقيق الاستقرار والازدهار للبنان والمنطقة؟ الوضع يتطلب حكمةً ودبلوماسيةً، ورؤيةً مستقبليةً تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار.
لتقديم المزيد من التحليلات العميقة حول مواقف الأطراف المعنية، يمكنكم متابعة آخر التطورات السياسية والاقتصادية في لبنان وإيران عبر مصادر الأخبار الموثوقة.















