أطفال غزة والتعليم: جيل ضائع ينتظر إعادة الأمل

مع عودة الملايين من الأطفال حول العالم إلى مقاعد الدراسة، يظل وضع أطفال غزة استثنائياً ومؤلماً. فبينما يستعد أقرانهم لبداية عام دراسي جديد، ينتظر هؤلاء الأطفال إعادة بناء مدارسهم، وترميم فصولهم الدراسية التي دمرها القصف الإسرائيلي، ويعيشون تبعات النزوح الجماعي الذي شرد مئات الآلاف من العائلات. هذه الأزمة التعليمية الحادة تلقي بظلالها على مستقبل جيل كامل، وتثير تساؤلات حول إمكانية تعافي منظومة التعليم في القطاع المحاصر. الوضع يهدد بـ ضياع جيل كامل، وهو ما يستدعي تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي.

تدمير ممنهج للبنية التحتية التعليمية في غزة

لم يكن القصف على غزة عشوائياً، بل استهدف بشكل واضح البنية التحتية الحيوية، وعلى رأسها المدارس والجامعات. تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 95% من المنشآت التعليمية في غزة قد دمرت أو تضررت بشكل كبير، مما أدى إلى توقف العملية التعليمية بشكل شبه كامل. لم يقتصر الأمر على الأضرار المادية، بل امتد ليشمل النزوح القسري للمعلمين والطلاب، وفقدان الكتب والموارد التعليمية الأساسية.

هذا التدمير المنهجي يعيق بشكل مباشر حق الأطفال في التعليم، وهو حق أساسي يكفله القانون الدولي. النزوح المستمر يجعل من الصعب على الأطفال الوصول إلى أي شكل من أشكال التعليم، حتى في ظل المبادرات الطارئة التي تحاول سد الفجوة.

قصة حسن: رمز لجيل فقد سنواته الدراسية

تعكس قصة الطفل حسن السرافندي، الذي رصدته صحيفة إندبندنت، مأساة أطفال غزة. فحسن، الذي كان في السادسة من عمره عندما بدأت الأحداث في أكتوبر 2023، كان يتوق لبدء الصف الأول الابتدائي. لكن الأحداث المتسارعة حوّلت حياته إلى سلسلة من النزوح والخوف.

بعد أكثر من عامين، وصل حسن إلى الصف الثالث، ولكنه لا يزال يكافح لتعلم القراءة والكتابة. تقول والدته، هبة، إنهم يعيشون تحت ضغط هائل، ولا يجدون الوقت الكافي لمساعدة ابنهم في دراسته. “هذا يكسر قلبي. حسن خسر سنوات لا يمكن تعويضها”، تضيف هبة بأسى. قصة حسن ليست استثناءً، بل هي نموذج لما يعانيه آلاف الأطفال في غزة.

مبادرات فردية وجهود محدودة لسد الفجوة التعليمية

في ظل غياب الدعم الكافي من المؤسسات الرسمية، ظهرت مبادرات فردية وجهود تطوعية تهدف إلى سد الفجوة التعليمية. من بين هذه المبادرات، الخيام التعليمية التي أسستها الشابة أوهود نصار في غرب غزة. توفر هذه الخيام مساحات تعليمية مؤقتة للأطفال المتضررين، على الرغم من المخاطر الأمنية ونقص التمويل.

أوهود تصف تجربتها بأنها مختلفة تماماً عن التدريس في الظروف العادية، حيث أن معظم الطلاب الذين تستقبلهم شهدوا صدمات قاسية، وكثير منهم أيتام فقدوا أحد الوالدين أو كليهما. هذه المبادرات، على الرغم من أهميتها، لا تزال تعتمد على التبرعات المحدودة والعمل التطوعي، ولا تكفي لتلبية احتياجات جميع الأطفال المحرومين من التعليم. فقط 15% من التمويل الإنساني المطلوب يصل إلى قطاع التعليم في غزة.

تأثير الأزمة على التعليم العالي والمساعي الفردية للصمود

لا تقتصر الأزمة التعليمية على المرحلة الابتدائية والإعدادية، بل تمتد لتشمل التعليم العالي. يواجه طلاب الجامعات في غزة صعوبات جمة في مواصلة دراستهم، بسبب النزوح، وانقطاع الكهرباء، وتقطع الإنترنت، وصعوبة المواصلات.

مريم مشتهى، إحدى طالبات الجامعات في غزة، تواصل تعليمها عبر الإنترنت وسط هذه الظروف الصعبة. تؤكد مريم أن التمسك بالتعليم أصبح شكلاً من أشكال الصمود، وأنها تأمل أن يرى العالم التعليم في غزة كأولوية، وأن يتم توفير الدعم اللازم لإعادة بناء المدارس والجامعات، وتوفير الكتب والمعلمين، وخلق بيئة آمنة للتعلم. التعليم في غزة أصبح تحدياً يومياً يتطلب عزيمة وإصراراً.

الآثار النفسية العميقة على الأطفال وتأثيرها على مستقبلهم

الضرر الذي يعاني منه أطفال غزة لا يقتصر على الجانب التعليمي، بل هو نفسي وعميق. تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أطفال غزة يعانون من أعراض صدمة شديدة، بما في ذلك القلق، واضطرابات النوم، والانسحاب الاجتماعي. هذه الأعراض تعيق قدرتهم على التعلم، وتهدد مستقبلهم على المدى الطويل.

إن توفير الدعم النفسي للأطفال في غزة أمر ضروري للغاية، إلى جانب توفير التعليم الجيد. فبدون معالجة الصدمات النفسية، سيكون من الصعب على هؤلاء الأطفال استعادة حياتهم، وتحقيق إمكاناتهم الكاملة. الصحة النفسية للأطفال في غزة يجب أن تكون على رأس الأولويات.

في الختام، إن الوضع التعليمي في غزة كارثي، ويتطلب تحركاً عاجلاً من المجتمع الدولي. يجب توفير الدعم المالي والتقني لإعادة بناء المدارس والجامعات، وتوفير الموارد التعليمية اللازمة، وتقديم الدعم النفسي للأطفال المتضررين. إن الاستثمار في تعليم أطفال غزة هو استثمار في مستقبل أفضل للجميع، وهو السبيل الوحيد لإنقاذ جيل كامل من الضياع. شارك هذا المقال لزيادة الوعي بهذه القضية الإنسانية الهامة، وادعم المنظمات التي تعمل على الأرض لمساعدة أطفال غزة.

شاركها.
اترك تعليقاً