في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأفريقية تحولاً ملحوظاً، أثار قلقاً واسعاًً في الأوساط السياسية والاقتصادية. لم يعد التركيز على الشراكة الديمقراطية والتنمية البشرية كما كان سائداً في السابق، بل باتت أفريقيا في نظر إدارة الرئيس دونالد ترامب مجرد “مخزن للموارد” وساحة لمصالح تجارية بحتة. هذا التحول الخطير، والذي يهدد بتقويض عقود من الجهود الدبلوماسية والتعاون، هو محور ما كشفت عنه صحيفة لوتان السويسرية في تقرير حديث. يستكشف هذا المقال بالتفصيل هذه التغيرات، وتداعياتها، والمؤشرات التي تشير إلى مستقبل معقد للقارة الأفريقية في ظل السياسات الأمريكية الحالية.
أفريقيا في عهد ترامب: من الشراكة إلى الاستغلال
خلال فترة ولايته الأولى وعقب عودته للسلطة، أظهر الرئيس ترامب تجاهلاً واضحاً لأفريقيا، بل وتجاوز ذلك إلى استخدام تعابير مهينة لوصف دولها وشعوبها، مثل وصفها بأنها “دول قذرة”، وهي التصريحات التي لا تزال تلقي بظلالها على الذاكرة الجماعية الأفريقية. هذا التجاهل لم يكن مجرد خطأ دبلوماسي، بل انعكس بشكل مباشر على إعادة تشكيل الأولويات الأمريكية في القارة. لم يعد الهدف هو دعم الديمقراطية أو تعزيز التنمية، بل تأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية الاستراتيجية، وعلى رأسها المعادن الضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، وذلك في محاولة لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد.
“دبلوماسية الخشونة” وتعاملات على أساس الموارد
تجسدت هذه السياسة الجديدة في نموذج “دبلوماسية الخشونة”، حيث بدأ البيت الأبيض باستدعاء القادة الأفارقة إلى واشنطن ليس لمناقشة القضايا السياسية أو التنموية، بل بناءً على “ثروات باطن الأرض” في بلدانهم. وتدور المحاولات الدبلوماسية الأمريكية بشكل أساسي حول ضمان وصول الشركات الأمريكية إلى مناجم النحاس والكوبالت وغيرها من المعادن الحيوية، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان. الوساطة الأمريكية بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية خير دليل على ذلك، حيث لم يكن الدافع الحقيقي هو حل الأزمة الإنسانية، بل تسهيل وصول الشركات الأمريكية إلى الموارد المعدنية.
تأثير سياسات ترامب على العلاقات مع دول جنوب أفريقيا ونيجيريا
لم تقتصر هذه “الدبلوماسية” على التعاملات التجارية، بل امتدت لتشمل اتهامات صريحة وإهانات لبعض الدول الأفريقية. ففي حالة جنوب أفريقيا، اتهم ترامب بريتوريا بممارسة “إبادة جماعية ضد الأقلية البيضاء”، وهو ما اعتبره المحللون ردًا انتقاميًا على موقف جنوب أفريقيا المؤيد لفلسطين وملاحقتها لإسرائيل أمام محكمة العدل الدولية. هذا التوتر دفع جنوب أفريقيا إلى تعليق عضويتها في مجموعة العشرين خلال فترة الرئاسة الأمريكية، في خطوة تعبر عن رفضها لهذا الأسلوب.
أما نيجيريا، فلم تسلم من هذه السياسات، حيث استخدم ترامب قضية “اضطهاد المسيحيين” كذريعة لتبرير ضربات عسكرية بطائرات مسيرة في مناطق لا تشهد نشاطًا إرهابيًا واضحًا. هذا التصرف لم يكن سوى استعراض للقوة يهدف إلى إرضاء قاعدته الانتخابية الإنجيلية. هذه التصرفات أدت إلى تآكل الثقة في السياسة الأمريكية في القارة.
تراجع الدعم الأمريكي لأفريقيا: إغلاق الوكالات وقيود التأشيرات
لم تقتصر التغييرات على الأسلوب الدبلوماسي، بل امتدت إلى تراجع حاد في الدعم الأمريكي للقارة. في خطوة قوضت جهود التنمية المستدامة، أُغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) نهائياً، والتي كانت تمثل شريان الحياة لملايين الأفارقة منذ عام 1961.
بالإضافة إلى ذلك، فرضت إدارة ترامب قيودًا صارمة على التأشيرات على مواطني 25 دولة أفريقية، مما أثر بشكل كبير على حركة الأفراد والتبادلات الثقافية والاقتصادية. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل قامت الإدارة بإقالة 15 سفيرًا أمريكيًا في أفريقيا بشكل مفاجئ، ليلة عيد الميلاد، مما أدى إلى فراغ دبلوماسي كبير في القارة. كما أوقفت العمل باتفاقية “أغوا” التي كانت تمنح الدول الأفريقية إعفاءات جمركية، وفرضت رسومًا “فانتازية” تصل إلى 30% على بعض الواردات من جنوب أفريقيا.
صعود النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا
هذا الانكفاء الأمريكي خلق فراغاً استراتيجياً في أفريقيا، سارعت الصين وروسيا وتركيا والسعودية إلى ملئه. فالصين، على وجه الخصوص، استغلت هذا الوضع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في القارة، من خلال إلغاء الرسوم الجمركية وتقديم قروض استثمارية ضخمة. في الوقت نفسه، تغلغل النفوذ الروسي والتركي والسعودي في القارة، مستفيدين من حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. هذا التحول في موازين القوى يمثل تحديًا كبيرًا للمصالح الأمريكية في القارة. وهل يمكن القول أن الاستثمار الأجنبي أصبح مفتاح النفوذ في القارة؟
مستقبل العلاقات الأمريكية الأفريقية: هل فقدت واشنطن القارة؟
يرى المراقبون أننا نشهد مرحلة “تراجع ديمقراطي” مخيف على مستوى العالم، حيث يشجع سلوك القادة المتطرفين، مثل ترامب، الأنظمة السلطوية في أفريقيا على المضي قدمًا في قمع شعوبها. ومع فرض قيود مشددة على التأشيرات على العديد من الدول الأفريقية، يبدو أن واشنطن تبني جدارًا عازلاً ليس فقط مع المهاجرين، بل مع القارة بأكملها.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل تدرك واشنطن أن مقايضة القيم بالمعادن قد تمنحها بعض المكاسب الآنية، ولكنها ستفقد القارة السمراء للأبد لصالح خصومها الدوليين؟ هذا التساؤل يفرض على الإدارة الأمريكية مراجعة شاملة لسياساتها تجاه أفريقيا، وإعطاء الأولوية للشراكة الحقيقية القائمة على الاحترام المتبادل والتنمية المستدامة. فالاستمرار في النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى تعزيز نفوذ المنافسين، وتآكل المصالح الأمريكية في القارة. إن مستقبل العلاقات الدولية يعتمد بشكل كبير على كيفية تعامل الدول الكبرى مع القارة الأفريقية.
لا يمكن إنكار أن السياسة الأمريكية الحالية في أفريقيا تمثل نقطة تحول خطيرة، وقد يكون لها تداعيات بعيدة المدى على مستقبل القارة بأكملها.















