مع تزايد التوترات الجيوسياسية في أوروبا الشرقية، لم تعد العلاقات بين الدول مجرد تبادل للمواقف الدبلوماسية، بل باتت تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك حركة السفر والتنقل. وفي هذا السياق، تتصاعد أزمة بين روسيا ومولدوفا، تعكس عمق الخلافات السياسية والجيوسياسية بين الجانبين. هذه الأزمة، التي تتفاقم يوماً بعد يوم، تؤثر بشكل مباشر على المواطنين الروس الراغبين في السفر إلى مولدوفا، وتلقي بظلالها على مستقبل العلاقات الثنائية.
تصاعد التوتر: توصيات روسية بتحذير مواطنيها من السفر إلى مولدوفا
بدأت ملامح الأزمة تتضح مع إصدار وزارة الخارجية الروسية توصية رسمية تحث فيها المواطنين الروس على تجنب السفر إلى مولدوفا. وبررت الوزارة هذا التحذير بتزايد حالات التمييز والمضايقات التي يتعرض لها المواطنون الروس على يد السلطات المولدوفية. وأشارت إلى منع القنصل الروسي في كثير من الأحيان من مقابلة المواطنين الروس المحتجزين، مما يجعل تقديم المساعدة والدعم القنصلي أمراً شبه مستحيل.
وتصف الوزارة الإجراءات التي يتعرض لها حاملو جوازات السفر الروسية في مطار كيشيناو بأنها “مهينة”، وتتهم السلطات المولدوفية بالاحتجاز المتعمد للمواطنين الروس خلال عمليات التفتيش الأمني، بهدف تفويتهم رحلاتهم الجوية. هذه الإجراءات، بحسب روسيا، تشكل انتهاكاً لحقوق المواطنين الروس وتزيد من حدة التوتر بين البلدين.
جذور الأزمة: تاريخ من الخلافات والتوجهات الجيوسياسية الجديدة
العلاقات الروسية المولدوفية تمر حالياً بأعمق أزمة لها منذ عام 1992. تعود جذور هذه الأزمة إلى عدة عوامل، أبرزها السياسات المولدوفية المنحازة للغرب ودعمها لأوكرانيا، بالإضافة إلى ملف إقليم ترانسنيستريا والوجود العسكري الروسي فيه، والخلافات المتراكمة في مجالي الطاقة والاقتصاد.
ومع إعادة توجيه مولدوفا الجيوسياسي نحو الاندماج مع الاتحاد الأوروبي، وتقديمها طلباً رسمياً للانضمام إليه، اتسعت الفجوة بين البلدين. دعم مولدوفا لأوكرانيا وحظر البث الإعلامي الروسي داخل البلاد ساهم في تعميق مناخ انعدام الثقة والعداء، لدرجة أن روسيا تصنف مولدوفا حالياً “دولة معادية”. في المقابل، تنظر كيشيناو إلى موسكو باعتبارها تهديداً لأمنها وسيادتها.
الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على مولدوفا
تدهور العلاقات الثنائية أثر بشكل كبير على الاقتصاد المولدوفي، الذي يواجه حالياً أكبر عجز تجاري في تاريخه، بلغ نحو 6.4 مليارات دولار، وهو ما يعادل قرابة ثلث حجم اقتصاده. بالإضافة إلى ذلك، تعاني مولدوفا من أزمات حادة في قطاع الطاقة، وتفاقم الأزمة السياسية المرتبطة بخطط الرئيسة مايا ساندو للتقارب مع رومانيا.
وتتهم السلطات المولدوفية القوى السياسية المرتبطة بروسيا بالضلوع في أنشطة تخريبية والحصول على “تمويل من موسكو”. وشهدت الانتخابات البرلمانية الأخيرة مواجهة إعلامية حادة، حيث اتهمت موسكو السلطات المولدوفية بحرمان نحو 500 ألف مواطن مولدوفي مقيمين في روسيا من حق التصويت.
مستقبل العلاقات الروسية المولدوفية: هل تتجه نحو مزيد من التصعيد؟
يرى الخبير في الشؤون الأوروبية أندريه كامكين أن أوضاع الروس في مولدوفا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحالة العلاقات الراهنة بين موسكو وكيشيناو. ويشير إلى أن السلطات المولدوفية تسعى إلى قطع الروابط مع موسكو، بما في ذلك الروابط الثقافية، من خلال التضييق على الروس وإلغاء اتفاقية “البيت الروسي”.
ويضيف كامكين أن مولدوفا تحولت إلى ساحة محورية في المواجهة الجيوسياسية بين روسيا والغرب، بعد تخليها عن سياسة التوازن بين التكامل الأوروبي والحفاظ على العلاقات مع موسكو. ويحذر المحلل في الشؤون الدولية ديمتري كيم من أن طموحات مولدوفا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، خاصة إذا أقدمت القيادة الموالية للغرب على محاولة حل نزاع ترانسنيستريا بالقوة.
أزمة مولدوفا وروسيا: تحديات جيوسياسية واقتصادية
إن أزمة مولدوفا وروسيا ليست مجرد خلاف ثنائي، بل هي جزء من صراع أوسع نطاقاً في أوروبا الشرقية. وتظهر هذه الأزمة مدى تعقيد العلاقات بين الدول في المنطقة، وتأثير التوترات الجيوسياسية على حياة المواطنين. الوضع الحالي يتطلب حواراً بناءً وجهوداً دبلوماسية لتهدئة التوتر وتجنب المزيد من التصعيد.
وفي الختام، يمكن القول إن العلاقات الروسية المولدوفية تمر بمرحلة حرجة، تتطلب حكمة وبعد نظر لتجنب التداعيات السلبية على كلا البلدين وعلى المنطقة بأكملها. من الضروري إيجاد حلول سياسية واقتصادية مستدامة تضمن حقوق جميع الأطراف وتحافظ على الاستقرار في المنطقة. هل ستتمكن مولدوفا من الموازنة بين طموحاتها الأوروبية وعلاقاتها مع روسيا؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه اليوم.















