واشنطن- في افتتاحية إستراتيجية الدفاع التي أعلنها البنتاغون، مساء الجمعة، يقول وزير الحرب بيت هيغسيث “لن تنشغل الوزارة بعد الآن بالتدخلات الخارجية، والحروب التي لا تنتهي، وتغيير الأنظمة، وبناء الدول. بدلا من ذلك، سنضع مصالح شعبنا العملية والملموسة في المقام الأول”. هذا التحول الكبير في السياسة الأمريكية يمثل محوراً أساسياً في إستراتيجية الدفاع الجديدة، ويشير إلى إعادة تقييم شاملة لدور الولايات المتحدة في العالم. ويُعَد هذا التوجه مغايرا لما قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منذ بدء ولايته الثانية، وتغييره اسم “وزارة الدفاع” إلى “وزارة الحرب”، والهجمات العسكرية في إيران وفنزويلا، وغاراته الجوية على أهداف في نيجيريا والصومال وسوريا واليمن والعراق، والتلويح بها في وجه غرينلاند وعدد من دول أمريكا اللاتينية.

تحول في الأولويات: من التدخلات إلى حماية الوطن

تُركز إستراتيجية الدفاع الجديدة بشكل واضح على حماية الأراضي الأمريكية ومواطنيها، مع إعطاء الأولوية لنصف الكرة الغربي. هذا يمثل تحولاً جذرياً عن العقود الثلاثة الماضية التي شهدت تدخلات عسكرية أمريكية واسعة النطاق في مناطق مختلفة من العالم. الوثيقة الجديدة تعكس أجندة “أمريكا أولاً” في الأمن القومي، والتي تهدف إلى تجنب الانخراط في صراعات خارجية لا تحقق انتصارات واضحة وتستنزف الموارد الأمريكية.

تقييم جديد للتهديدات الإقليمية

في حين أن الإدارات السابقة كانت تعتبر دولاً مثل إيران وكوريا الشمالية كتهديدات وجودية، فإن الوثيقة الجديدة تصنفها كمزعزعات إقليمية. هذا التغيير في التصنيف لا يعني التقليل من خطورة هذه الدول، بل يعكس نهجاً أكثر واقعية يركز على الردع بدلاً من محاولة تغيير الأنظمة أو إعادة هيكلة المنطقة بأكملها. الرسالة التي ترسلها الولايات المتحدة هي: “سنردعكما، لكننا لن نجعل من حولكما ساحة حرب شاملة”. هذا يمثل تراجعاً عن اللهجة الحادة التي كانت سائدة في السابق تجاه طهران وبيونغ يانغ.

التناقضات في سياسة ترمب: بين الخطاب والواقع

على الرغم من أن إستراتيجية الدفاع الجديدة تتوافق مع مبادئ “أمريكا أولاً”، إلا أنها تحاول أيضاً الموازنة بين هذه المبادئ والسياسات الفعلية للرئيس ترمب خلال فترة حكمه. فقد واجه ترمب انتقادات من بعض أنصاره بسبب استمراره في تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي لإسرائيل، بالإضافة إلى الهجمات العسكرية التي شنها في فنزويلا وإيران.

هذه التدخلات أثارت تساؤلات حول التزامه بتعهداته بعدم الانخراط في حروب خارجية. ومع ذلك، يدافع أنصار ترمب عن هذه السياسات بحجة أنها تختلف عن التدخلات الأمريكية الطويلة الأمد في العراق وأفغانستان، وأنها كانت محدودة النطاق ولا تهدف إلى الإطاحة بالأنظمة أو بناء الدول. ويرون أن هذه العمليات العسكرية كانت سريعة وفعالة في تحقيق أهدافها، ولم تتسبب في خسائر كبيرة في الأرواح.

التركيز على نصف الكرة الغربي وتوسيع النفوذ

تؤكد الوثيقة أن إدارة ترمب ستعطي الأولوية لنصف الكرة الغربي، في ظل “بعض الضغوط التي تواجه قاعدة الدعم السياسي للرئيس التي لا تزال متشككة بشدة في التدخلات الخارجية”. ويشمل ذلك التركيز على مواقع إستراتيجية مثل غرينلاند وقناة بنما وخليج أمريكا، بهدف توسيع النفوذ الأمريكي في هذه المناطق.

غرينلاند: نقطة خلاف أم موقع استراتيجي؟

أثار إشارة الوثيقة إلى جزيرة غرينلاند باعتبارها “تضاريس رئيسية” جدلاً واسعاً، خاصة وأن الرئيس ترمب قد أعرب في الماضي عن اهتمامه بشراء الجزيرة من الدنمارك. على الرغم من رفض قادة الجزيرة المحليين لهذا العرض، إلا أن الوثيقة تؤكد على أهمية “ضمان الوصول العسكري والتجاري الأمريكي إلى مناطق رئيسية، خاصة قناة بنما وخليج أمريكا وغرينلاند”.

انتقاد للإدارات السابقة والتركيز على “بناء الأمة في الوطن”

تتضمن إستراتيجية الدفاع الجديدة انتقاداً صريحاً لسياسات الإدارات السابقة، الجمهورية منها والديمقراطية، في بدء حروب خارجية والتورط في “مستنقعات الحرب الخارجية”. وتشير الوثيقة إلى أن هذه السياسات أدت إلى إضعاف الجيش الأمريكي وإهدار الموارد، وتجاهل التحديات الداخلية التي تواجه البلاد.

وتقول الوثيقة: “أرسلوا أبناء أمريكا وبناتها الشجعان لخوض حروب تلو الأخرى بلا رؤية للإطاحة بالأنظمة وبناء الأمة في نصف العالم، وبهذا أضاعوا جاهزية جيشنا. لقد أدانوا مقاتلينا، وهاجموهم، وتجاهلوا روح المحارب التي كان يفتخر بها أسلافنا يوما ما، وهو ما جعل هذا الجيش الأمريكي محط حسد العالم”. هذا التركيز على “بناء الأمة في الوطن” يعكس رغبة الإدارة في إعادة توجيه الموارد والطاقات نحو حل المشاكل الداخلية التي تواجه الولايات المتحدة.

الشرق الأوسط: تقليل الانخراط وتمكين الحلفاء

فيما يتعلق بالشرق الأوسط، تسعى إدارة ترمب إلى تقليل الانخراط الأمريكي المباشر في المنطقة، مع التركيز على تمكين الحلفاء والشركاء من تحمل “المسؤولية الأساسية” عن أمنهم. ويعتمد هذا النهج على زيادة مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى دول المنطقة، وتشجيعها على التعاون والتنسيق لمواجهة التحديات المشتركة، وعلى رأسها النفوذ الإيراني. الوثيقة لم تذكر العراق أو قطاع غزة بشكل مباشر، مما يشير إلى أن هذه القضايا لن تكون من الأولويات الرئيسية للإدارة الأمريكية في الفترة المقبلة.

الخلاصة، إستراتيجية الدفاع الجديدة تمثل تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية، حيث تعطي الأولوية لحماية الوطن وتقليل الانخراط في الصراعات الخارجية. هذا التحول يعكس أجندة “أمريكا أولاً” التي يتبناها الرئيس ترمب، ولكنه يحاول أيضاً الموازنة بين هذه الأجندة والواقع المعقد للسياسة الدولية. من المرجح أن يكون لهذا التحول تأثير كبير على دور الولايات المتحدة في العالم، وعلى علاقاتها مع حلفائها وشركائها. لمزيد من التحليل حول السياسة الخارجية الأمريكية، يمكنكم زيارة موقع الجزيرة نت. (مثال على رابط داخلي)

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version