تاريخ مظلم: كشف دور التاج البريطاني في تجارة الرقيق الأفريقية
لطالما ارتبطت بريطانيا في الذاكرة الجماعية بجهودها المبذولة للقضاء على تجارة الرقيق، لكن كتابًا جديدًا للمؤرخة الأمريكية بروك نيومان يلقي الضوء على حقائق صادمة تكشف عن دور محوري ومباشر لعبه التاج البريطاني والبحرية الملكية في توسيع وحماية هذه التجارة اللاإنسانية لقرون طويلة. هذا الكتاب، الذي يثير جدلاً واسعًا، يقدم صورة مغايرة تمامًا للسردية التاريخية السائدة، ويدعو إلى إعادة النظر في إرث الإمبراطورية البريطانية.
تفاصيل صادمة في كتاب “صمت التاج”
الكتاب الذي يحمل عنوان “صمت التاج” (The Crown’s Silence) وستصدر النسخ النهائية منه الأسبوع القادم، لا يقتصر على إظهار المؤسسة الملكية كشاهد سلبي على تجارة الرقيق، بل يكشف عن تورطها المباشر والممنهج فيها. تستند نيومان في بحثها إلى وثائق تاريخية لم يتم الكشف عنها من قبل، مما يمنح عملها مصداقية عالية.
البحرية الملكية: حماية تجارة الرقيق وتوسيع نطاقها
وفقًا للباحثة، لعبت البحرية الملكية دورًا حاسمًا في ازدهار تجارة الرقيق. لم تقتصر مهمتها على حماية سفن الرقيق من القرصنة أو التدخلات الخارجية، بل تعدت ذلك إلى تسهيل عمليات النقل نفسها. فقد أقرضت البحرية الملكية سفنها لشركات تجارة الرقيق، وزودتها بالرجال والإمدادات الضرورية، وذلك بدءًا من عهد الملكة إليزابيث الأولى وحتى القرن الثامن عشر. هذا الدعم المباشر ساهم بشكل كبير في توسيع نطاق هذه التجارة المروعة، وتدفق الأرباح الهائلة على التاج البريطاني.
التاج البريطاني: أكبر مشتر للعبيد في العالم
تُظهر الوثائق التي عثرت عليها نيومان أن التاج البريطاني أصبح بحلول عام 1807، وهو العام الذي ألغت فيه بريطانيا تجارة الرقيق داخل إمبراطوريتها، أكبر مشتر للعبيد في العالم. فقد اشترى التاج حوالي 13 ألف رجل لاستخدامهم في الجيش، مقابل ما يقارب 900 ألف جنيه إسترليني في ذلك الوقت. هذا يكشف عن نفاق صارخ، حيث استمر التاج في الاستفادة من العبودية حتى بعد إعلان إلغائها رسميًا.
استمرار الأبحاث وتأكيد الروابط التاريخية
هذا الكتاب ليس مجرد إضافة جديدة إلى الأبحاث التاريخية، بل هو استكمال لتحقيق سابق أجرته صحيفة الغارديان البريطانية عام 2023، والذي كشف عن روابط خفية بين الملكية البريطانية والعبودية العابرة للأطلسي. التحقيق السابق، والكتاب الجديد، يساهمان في بناء صورة أكثر اكتمالاً وواقعية لتاريخ الإمبراطورية البريطانية وعلاقتها بتجارة الرقيق. تجارة الرقيق لم تكن مجرد جريمة ضد الإنسانية، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام الاقتصادي والسياسي البريطاني.
“الطابع الملكي” على العبودية
تؤكد نيومان أن الملكية البريطانية لم تخجل من ارتباطها بتجارة الرقيق، بل كانت تضفي عليها “الطابع الملكي” من خلال الشركات الاحتكارية مثل “شركة أفريقيا الملكية”. بالإضافة إلى ذلك، كان أفراد العائلة المالكة يمتلكون أشخاصًا مستعبدين بشكل مباشر، خاصة في مستعمرات الكاريبي. تشير الوثائق إلى أن التاج امتلك آلاف المستعبدين حتى عام 1831، حتى في الوقت الذي كانت فيه البحرية الملكية تدعي محاربة تجارة الرقيق.
مخاوف من ثورات العبيد واستغلال العمال المستعبدين
كشفت المراسلات السرية التي تعود إلى عهد الملك جورج الرابع (1820-1830) عن مخاوفه من تكرار ثورة العبيد في هايتي داخل جامايكا. هذا يدل على أن التاج كان يدرك تمامًا الظلم الذي يتعرض له المستعبدون، والخطر الذي يمثله هذا الظلم على مصالحه.
لم يقتصر استغلال العمال المستعبدين على المزارع، بل امتد إلى منشآت إستراتيجية مثل أحواض السفن الملكية، حيث استخدموا كنجارين وبنائي سفن وعمال مهرة لخدمة الأسطول البحري. كان هذا بسبب ارتفاع معدل الوفيات بين العمال الأوروبيين بسبب الأمراض.
ما بعد الإلغاء: استمرار الاستغلال
لا يتوقف الكتاب عند مرحلة ما قبل إلغاء الرق، بل يسلط الضوء على ما تلاها. فقد تبين أن العديد من الأفارقة الذين حررتهم البحرية الملكية من سفن الرقيق أجبروا لاحقًا على العمل بنظام التدريب القسري أو جندوا قسراً في الجيش البريطاني، خاصة في أفواج جزر الهند الغربية. هذا يكشف عن أن إلغاء تجارة الرقيق لم يكن نهاية الاستغلال، بل مجرد تحول في شكله.
الإرث الاقتصادي والاجتماعي للعبودية
تؤكد المؤرخة الأمريكية أن العبودية شكلت ركيزة أساسية لازدهار الاقتصاد البريطاني في القرن الثامن عشر، وأسهمت في نمو مدن كبرى مثل ليفربول وبريستول. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت العبودية في تطور قطاعات التأمين والتمويل. هذا يعني أن الثروة التي تمتعت بها بريطانيا لقرون طويلة كانت مبنية على معاناة الملايين من الأفارقة المستعبدين. التعويضات عن تجارة الرقيق أصبحت الآن موضوع نقاش متزايد الأهمية.
دعوات للتعويض وتغيير الموقف الدولي
في عام 2023، أكد القاضي البارز بمحكمة العدل الدولية باتريك روبنسون أن المملكة المتحدة لن يكون باستطاعتها تجاهل الدعوات المتزايدة المطالبة بتعويض ضحايا تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. وأشار إلى أن الموقف الدولي من مسألة التعويضات المتعلقة بالاسترقاق يتغير بسرعة، وحث بريطانيا على تغيير موقفها بشأن هذه القضية. تشير التقديرات إلى أن المملكة المتحدة وحدها مطالبة بدفع مبلغ قدره 24 تريليون دولار لـ 14 دولة تعويضًا عن تجارة الرقيق، مع تخصيص حوالي 9.6 تريليونات دولار لجامايكا وحدها.
في الختام، يمثل كتاب “صمت التاج” نقطة تحول في فهمنا لتاريخ الإمبراطورية البريطانية وعلاقتها بتجارة الرقيق. إنه يدعونا إلى مواجهة حقائق مؤلمة، وإلى إعادة النظر في إرثنا التاريخي. هذا الكتاب يثير تساؤلات مهمة حول العدالة والمسؤولية، ويفتح الباب أمام نقاش أوسع حول التعويضات المستحقة لضحايا هذه التجارة اللاإنسانية. ندعو القراء إلى البحث عن الكتاب بمجرد صدوره، والمشاركة في هذا النقاش الهام.



