إسلام آباد – بعد خمسة أشهر من الفراغ السياسي الذي شهدته المعارضة الباكستانية في غرفتي البرلمان (المجلس الوطني ومجلس الشيوخ)، بدأت المعارضة في استعادة حضورها المؤسسي، مما يفتح الباب أمام تنسيق سياسي أوسع في مواجهة الائتلاف الحاكم. يأتي هذا التطور في ظل دعوات متجددة للحوار الوطني الشامل لمعالجة الأزمة السياسية المستمرة في البلاد. هذا التحول في المشهد السياسي الباكستاني، وتحديداً تعيين قيادات جديدة للمعارضة، يمثل نقطة تحول مهمة تستحق التحليل.

تعيين قيادات جديدة للمعارضة: خطوة نحو إعادة التنظيم

في خطوة اعتبرها مراقبون ذات أهمية كبيرة، أعلن رئيس المجلس الوطني الباكستاني، أياز صادق، يوم الجمعة الماضي، عن تعيين محمود خان أتشكزاي، رئيس تحالف “حركة تحفظ آين باكستان” (حركة حماية دستور باكستان) وزعيم حزب “بشتونخوا ملي عوامي”، زعيماً للمعارضة في البرلمان. لاحقاً، أعلن رئيس مجلس الشيوخ، يوسف رضا جيلاني، يوم الثلاثاء الماضي، عن تعيين العلامة راجا ناصر عباس، قائد حزب مجلس وحدة المسلمين المدعوم من حزب إنصاف الباكستاني، زعيماً للمعارضة في الغرفة العليا للبرلمان. هذه التعيينات تهدف بشكل أساسي إلى ملء الفراغ القيادي الذي أعاق فعالية المعارضة في الأشهر الأخيرة.

ملء الفراغ السياسي بعد أحداث 9 مايو

كان منصب زعيم المعارضة في المجلس الوطني شاغراً منذ أغسطس الماضي، بعد استبعاد عمر أيوب، الأمين العام السابق لحزب إنصاف، إثر الحكم بسجنه 10 سنوات في القضية المتعلقة بأحداث 9 مايو. وبالمثل، كان منصب زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ شاغراً أيضاً بعد إدانة شبلي فراز، القيادي في حزب إنصاف، في قضايا تتعلق بأعمال الشغب التي شهدتها البلاد في نفس التاريخ.

الأحداث المتتالية، بما في ذلك قرار المحكمة الدستورية في يونيو الماضي بعدم أهلية مجلس الاتحاد السني (الذي تحالف معه حزب إنصاف) للحصول على المقاعد المحجوزة للنساء والأقليات، أضعفت بشكل كبير من قوة المعارضة داخل البرلمان. هذا القرار جاء نتيجة لخوض مرشحي الحزب للانتخابات كمستقلين بعد سحب الشعار الانتخابي من الحزب، مما حال دون حصولهم على المقاعد المخصصة للأحزاب. نتيجة لذلك، انضم 90 نائباً مستقلاً محسوباً على إنصاف إلى مجلس الاتحاد السني.

مطالبة المعارضة بتحقيق مستقل في الانتخابات

في أول قرار رئيسي اتخذته المعارضة بعد تعيين أتشكزاي زعيماً، طالبت بإجراء “تحقيق مستقل” في مزاعم التزوير التي شابنت الانتخابات العامة التي جرت في 8 فبراير 2024، و”معاقبة المسؤولين عنها بموجب المادة 6 من الدستور”. جاء هذا الطلب خلال مؤتمر لجميع الأحزاب عُقد في كراتشي بإقليم السند الجنوبي. هذا المؤتمر يعكس رغبة المعارضة في توحيد صفوفها والضغط على الحكومة للتحقيق في هذه الادعاءات.

تأثير الأحكام القضائية على موازين القوى

لقد أثرت الأحكام القضائية المتعلقة بأهلية حزب إنصاف ومجلس الاتحاد السني في الحصول على المقاعد المحجوزة بشكل كبير على موازين القوى في البرلمان، مما أدى إلى تفوق عدد نواب الحكومة على نواب المعارضة الباكستانية. كما أن إقالة عمر أيوب من منصب زعيم المعارضة أدت إلى صعوبة تجميع المعارضة تحت قيادة واحدة داخل البرلمان، على الرغم من وجود تنسيق بينها خارجه.

ترشيح أتشكزاي لمنصب زعيم المعارضة في أكتوبر الماضي، ثم إعادة ترشيحه في يناير الحالي، كان بمثابة اختبار لصبر المعارضة، حيث اتهمت الحكومة بتأخير التعيين بشكل متعمد. وعلى الرغم من تأكيدات رئيس البرلمان بأنه كان “قيد النظر”، إلا أن التعيين استغرق وقتاً أطول مما توقعته المعارضة.

هل يمثل أتشكزاي نقطة تحول في استراتيجية المعارضة؟

يرى أسد قيصر، القيادي البارز في حزب إنصاف والرئيس السابق للبرلمان، أن ترشيح أتشكزاي زعيماً للمعارضة هو استيفاء لواجب دستوري. وعلى الرغم من رفضه فكرة أن المعارضة ضعيفة، إلا أنه أقر بأن “الصعود والهبوط جزء لا يتجزأ من السياسة والنضال”.

يعتبر تعيين أتشكزاي خطوة مهمة في سياق الحوار الوطني، حيث أنه معروف بدعوته المتكررة إلى حوار شامل لحل الخلافات السياسية. هذا قد يفتح قنوات اتصال جديدة بين الحكومة وحزب إنصاف، ويساهم في تقريب وجهات النظر.

من جهته، يرى السيناتور برويز رشيد، القيادي في حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية (جناح نواز شريف) الحاكم، أن أتشكزاي هو زعيم سياسي مخضرم يدافع عن سيادة البرلمان والدستور والديمقراطية. ويؤكد على أن دوره كزعيم للمعارضة يجب أن يركز على القضاء على “ثقافة الإساءة في السياسة” ونقل سياسة الاحتجاجات إلى داخل البرلمان.

قيادة جديدة ورؤية مستقبلية

بشكل عام، يُنظر إلى تعيين أتشكزاي والعلامة راجا ناصر عباس كقيادة جديدة للمعارضة في البرلمان ومجلس الشيوخ على أنه “نسمة منعشة للمستقبل”، وفقاً للصحفي والكاتب السياسي إعزاز سيد. ويشير إلى أن ترشيح أتشكزاي من قبل حزب إنصاف قد يعكس تغيراً في استراتيجية الحزب في صراعه مع الحكومة، حيث يمكن لأتشكزاي سد الفجوة بين الطرفين وتوحيد صفوف المعارضة.

محمود خان أتشكزاي، المولود عام 1948 في إقليم بلوشستان، يتمتع بخبرة سياسية طويلة. ينتمي إلى عائلة سياسية بارزة، وقد ورث عن والده، عبد الصمد خان، قيادة حزب بشتونخوا عوامي الوطني. وقد لعب دوراً محورياً في تشكيل وقيادة العديد من الحركات السياسية المعارضة في باكستان، مدافعاً باستمرار عن الحقوق الديمقراطية والدستورية.

في الختام، يمثل تعيين قيادات جديدة للمعارضة الباكستانية خطوة مهمة نحو إعادة التنظيم واستعادة الحضور المؤسسي في البرلمان. يبقى أن نرى كيف ستترجم هذه التعيينات إلى أداء فعال في مواجهة الحكومة، وما إذا كانت ستساهم في تحقيق الحوار الوطني الشامل الذي تطالب به المعارضة. من المؤكد أن التطورات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل المشهد السياسي في باكستان.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version