في أعقاب الحرب الدائرة في غزة، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً مثيراً للجدل يتمثل في زيادة كبيرة في ميزانية الدفاع، وهو ما يثير تساؤلات حول التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة على المدى القريب والبعيد. هذا التحول الكبير في الأولويات المالية قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في حياة المواطنين الإسرائيليين، ويضع الاقتصاد على طريق محفوف بالمخاطر. تتناول هذه المقالة تفاصيل هذه الزيادة في الميزانية العسكرية الإسرائيلية، الأسباب الكامنة وراءها، والآثار المحتملة على مختلف جوانب الحياة في إسرائيل.

قرار الزيادة في الميزانية العسكرية: الأسباب والتفاصيل

أعلنت الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو، عن زيادة في ميزانية الدفاع تقدر بـ 350 مليار شيكل (حوالي 107 مليارات دولار) على مدار العشر سنوات القادمة. تمثل هذه الزيادة ارتفاعاً كبيراً بنسبة 70% مقارنة بالميزانية المخصصة للدفاع قبل اندلاع الحرب. الهدف الرئيسي المعلن لهذه الزيادة هو إعادة بناء الجيش الإسرائيلي وتعزيز قدراته بعد المعارك الشديدة التي شهدها قطاع غزة، والتغلب على النقص المتزايد في الأفراد، وتأمين التمويل اللازم لتحديث وتجهيز الوحدات العسكرية المختلفة.

الوضع يتطلب إعادة تقييم شاملة للإمكانات الدفاعية، خاصة مع استمرار التهديدات الأمنية المحيطة بإسرائيل. القيادة الإسرائيلية، ومعها نتنياهو، تعتبر هذه الزيادة استثماراً ضرورياً لضمان أمن الدولة في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة.

الآثار الاقتصادية المباشرة لزيادة الإنفاق العسكري

على الرغم من الأهمية الأمنية للزيادة في ميزانية الدفاع الإسرائيلية، فإن هناك مخاوف اقتصادية حقيقية بشأن قدرة إسرائيل على تحمل هذا العبء المالي الإضافي. تعارض وزارة المالية الإسرائيلية هذا التوجه بشدة، معتبرةً أنه سيؤدي إلى ضغوط اقتصادية كبيرة وزيادة في العجز العام للدولة. الزيادة السنوية المقدرة بـ 11 مليار دولار تمثل تحدياً هائلاً للميزانية الإسرائيلية.

تأثيرات محتملة على القطاعات المدنية

من المتوقع أن يؤدي هذا التحول في الأولويات المالية إلى تقليص الإنفاق على القطاعات المدنية الحيوية. التعليم والصحة والبنية التحتية قد تكون من بين أوائل القطاعات التي ستتأثر سلبًا، مما قد يؤدي إلى تدهور جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. الاستثمارات في هذه المجالات ضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وتحسين مستوى المعيشة، وتقليلها قد يعيق التنمية طويلة الأجل.

تعميق الفجوات الاجتماعية وزيادة الهجرة

يعاني بالفعل ربع العائلات الإسرائيلية من انعدام الأمن الغذائي، ومن المتوقع أن يؤدي الضغط المالي الإضافي إلى تفاقم هذه المشكلة. التقليل من الدعم الحكومي للبرامج الاجتماعية قد يزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن عشرات الآلاف من الإسرائيليين يفكرون في مغادرة البلاد بحثًا عن استقرار اقتصادي واجتماعي أفضل، حيث غادر بالفعل حوالي 90 ألف إسرائيلي بين يناير 2023 وسبتمبر 2024. تمثل هذه الهجرة العكسية خسارة كبيرة للكفاءات والمواهب، وقد تؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي المستقبلي.

الدين العام والتصنيف الائتماني

من المتوقع أن يظل الدين العام الإسرائيلي عند مستوى مرتفع يقارب 70% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الارتفاع في الدين العام يزيد من أعباء خدمة الدين ويضغط على الميزانية، مما يحد من قدرة الحكومة على الاستثمار في مجالات أخرى. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي هذا الوضع إلى نظرة سلبية من وكالات التصنيف الائتماني، مما يزيد من خطر تخفيض التصنيف السيادي لإسرائيل. التخفيض في التصنيف الائتماني قد يجعل من الصعب على إسرائيل الحصول على تمويل خارجي بشروط مواتية، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية. الوضع الاقتصادي يتأثر بشكل كبير بتقييمات هذه الوكالات.

“العقد الضائع” الجديد: تحذيرات اقتصادية

يحذر الخبراء الاقتصاديون الإسرائيليون من أن البلاد قد تكون على أعتاب “عقد ضائع” جديد، على غرار ما حدث بعد حرب أكتوبر 1973. هذه الزيادة في الميزانية العسكرية الإسرائيلية ليست مجرد رقم، بل هي خيار استراتيجي سيحدد شكل توزيع الموارد داخل المجتمع الإسرائيلي لعقد كامل. هذا التحول في الأولويات المالية قد يؤدي إلى إعاقة النمو الاقتصادي وتراجع مستوى المعيشة، وتقويض الاستقرار الاجتماعي.

تأثيرات على أسواق الدين العالمية

تراقب أسواق الدين العالمية ووكالات التصنيف عن كثب الوضع الاقتصادي في إسرائيل. الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري، وارتفاع الدين العام، والتهديدات الأمنية المستمرة قد تجعل المستثمرين أكثر حذرًا بشأن الاستثمار في إسرائيل.

اقتصاد الحرب الممتد

تدخل إسرائيل مرحلة اقتصادية جديدة يمكن وصفها بـ “اقتصاد الحرب الممتد”. هذا يعني أن الموارد ستتحول بشكل متزايد نحو الإنفاق العسكري على حساب التنمية والخدمات المدنية. هذا الخيار يضع المجتمع أمام تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة، ويجعل الاقتصاد الإسرائيلي أكثر هشاشة أمام الضغوط الدولية.

الخلاصة

إن الزيادة الكبيرة في الميزانية العسكرية الإسرائيلية هي قرار يحمل في طياته تداعيات اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى. في حين أن تعزيز الأمن القومي أمر بالغ الأهمية، يجب على الحكومة الإسرائيلية أن توازن بين الحاجة إلى الاستثمار في الدفاع والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. يتطلب هذا الوضع تخطيطاً مالياً دقيقاً، وتنفيذ إصلاحات هيكلية، والبحث عن مصادر تمويل بديلة. من الضروري أيضًا تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد المالية، وإشراك جميع أصحاب المصلحة في عملية صنع القرار. مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد على قدرة الحكومة على التغلب على هذه التحديات وتحقيق التوازن بين الأمن والتنمية، مع مراعاة التحديات الاقتصادية المتزايدة. نأمل أن يتم التعامل مع هذا التحول بحكمة وتبصر لضمان مستقبل أفضل لإسرائيل ومواطنيها.

شاركها.
اترك تعليقاً