في العاشر من أكتوبر 2025، دخل وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، معلناً نهاية رسمية للمواجهات المسلحة. لكن هذا الهدوء لم يكن سوى مظهر خادع، إذ سرعان ما كشفت الأحداث عن تحول استراتيجي في طبيعة الحرب، لم يكن الهدف منها إنهاء الصراع بل إعادة تعريفه من خلال التدمير المنهجي. لم يقتصر الأمر على تقليل الخسائر في الأرواح، بل شهد القطاع تصعيداً غير مسبوق في عمليات الهدم، ليس عبر القصف العشوائي، بل من خلال جرافات ضخمة تعمل بجدية على محو معالم الحياة.
تحول في تكتيكات الحرب: من القصف إلى الهدم
بعد إعلان وقف إطلاق النار في غزة، توقع الكثيرون تخفيفاً في المعاناة الإنسانية، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً. صور الأقمار الصناعية التي جمعتها BBC Verify كشفت عن استمرار، بل وتكثيف، عمليات الجيش الإسرائيلي في الأراضي التي يسيطر عليها. لم تكن هذه العمليات مجرد خروقات عشوائية، بل كانت جزءاً من خطة منظمة لتدمير أكثر من 1500 مبنى سكني في مناطق كان من المفترض إخلائها بموجب الاتفاق.
لقطات الفيديو المؤرخة أكدت هذه الحقيقة المرة، حيث ظهرت الوحدة الهندسية الإسرائيلية وهي تسوي أحياء بأكملها، وتشق طرقاً واسعة عبر المناطق السكنية التي صمدت أمام عامين من القصف المستمر. هذه المشاهد المروعة لم تكن حكراً على منطقة معينة، بل امتدت لتشمل مناطق مختلفة من القطاع.
عبسان ورفح وغزة: نماذج للتدمير المنهجي
من بين المناطق التي طالتها هذه الموجة من التدمير المنهجي، تبرز منطقة عبسان الكبيرة في خان يونس. أظهرت الصور الفضائية أن العديد من مباني المنطقة كانت سليمة تماماً قبل تطبيق وقف إطلاق النار، لتتحول خلال أسابيع إلى ركام لا يعكس أي أثر للحياة.
الوضع لم يختلف كثيراً قرب البيوك (النصر) في رفح، حيث وثقت صور الأقمار الصناعية تدمير مبانٍ كانت تبدو سليمة قبل الهدنة. وكررت هذه المشاهد نفسها في مدينة غزة، وتحديداً في حي الشجاعية وعلى أطراف مخيم جباليا بالقرب من المستشفى الإندونيسي، حيث رُسمت خطوط الدمار الجديدة على خريطة القطاع.
تحليل وكالة “سند” التابعة لشبكة الجزيرة أكد هذه النتائج، موثقاً دماراً شاملاً في أحياء الشجاعية والتفاح بمدينة غزة، بالإضافة إلى دير البلح ورفح.
انتهاكات متعددة الأوجه لوقف إطلاق النار
تُصنف هذه العمليات الهدمية ضمن نطاق أوسع من انتهاكات وقف إطلاق النار التي وثقها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة. بحلول 28 ديسمبر، وصل عدد هذه الانتهاكات إلى 969، تشمل 298 واقعة إطلاق نار مباشرة على المدنيين، و54 عملية توغل للمركبات العسكرية، و455 حالة قصف واسعة النطاق، بالإضافة إلى 162 حالة هدم وتفجير للمنازل والمؤسسات المدنية، و45 حالة اعتقال تعسفي.
هذه الانتهاكات أدت إلى استشهاد 418 فلسطينياً وإصابة 1141 آخرين، لكنها تبدو مجرد مقدمة لخطة أكبر تهدف إلى إعادة تشكيل القطاع بشكل كامل.
“الخط الأصفر” : حدود جديدة للسيطرة الإسرائيلية
عمليات الهدم الإسرائيلية تتم ضمن إطار ما يسمى بـ “الخط الأصفر”، وهو خط وهمي رسمته خرائط اتفاق وقف إطلاق النار لتحديد حدود التواجد العسكري الإسرائيلي. يقسم هذا الخط قطاع غزة إلى نصفين، ويمتد بعمق يتراوح بين كيلومترين وسبعة كيلومترات، محتجزاً 58% من أراضي القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية.
لكن إسرائيل لم تكتفِ بهذا القدر، بل بدأت في إزاحة هذا الخط “المؤقت” إلى عمق الأراضي الفلسطينية، وبلغت هذه الإزاحة أكثر من 500 متر في بعض المناطق. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل قامت بوضع كتل خرسانية صفراء اللون كل 200 متر، مع لافتات تحذر من أن أي تجاوز للخط سيواجه بإطلاق نار فوري. قوات الاحتلال تطلق النار بشكل يومي على المدنيين الذين يقتربون من هذا الخط، في مشهد يؤكد النوايا الإسرائيلية الواضحة.
تحويل الهدنة إلى خطة لإعادة تشكيل غزة
ربع المسؤولون الإسرائيليون أن “الخط الأصفر” أصبح الحدود الجديدة لإسرائيل، وهو ما أكده رئيس الأركان إيال زمير، واصفاً إياه بأنه “خط دفاعي متقدم لمستوطناتنا”. هذا التحول يهدف إلى فرض سيطرة شبه دائمة على أكثر من نصف مساحة غزة، وفرض ترتيبات أمنية قاسية تشبه الاحتلال في الضفة الغربية، مع استمرار عمليات الهدم بذرائع أمنية. هذا يعتبر انتهاكاً صارخاً لـ شروط وقف إطلاق النار، كما يؤكد خبراء قانونيون.
استراتيجية الهدم العسكرية والسياسية
يشير المسؤولون الإسرائيليون إلى أن هدف الهدم هو إنشاء “منطقة عازلة” خالية من المباني على طول الحدود. جيش الاحتلال نفسه قام بتدمير 2137 مبنى في شرق خان يونس، وهو تكتيك تم تطبيقه في مناطق أخرى من القطاع. الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وثقت عمليات “تدمير وهدم واسع النطاق” للبنية التحتية المدنية في مناطق لم تشهد قتالاً.
هذا الهدم لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يخدم أهدافاً سياسية أعمق، مثل منع ظهور أي كيان سياسي فلسطيني قابل للحياة، وتهيئة الظروف للسيطرة الإسرائيلية الدائمة، وتشجيع الفلسطينيين على الهجرة. هذا ما أكده سياسيون إسرائيليون، الذين وصفوا فقدان الأراضي بأنه “الثمن” الذي يجب أن تدفعه غزة، ودعوا إلى إعادة استيطان القطاع.
جريمة حرب وانتهاك للقانون الدولي
إن عمليات الهدم المنهجية، والتدمير الواسع للبنية التحتية، والتسبب في تهجير السكان المدنيين، يشكل جريمة حرب وفق القانون الدولي. المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على سلطة الاحتلال تدمير أي ممتلكات إلا إذا كان ذلك ضرورياً للغاية للعمليات العسكرية.
الخبراء القانونيون يؤكدون أن الأفعال الإسرائيلية لا تستوفي هذه الشروط، وأن حجم الدمار يتجاوز أي هدف عسكري مشروع. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الهدم شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، المحظور بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.
الخلاصة: مستقبل غامض بانتهاكات مستمرة
إن وقف إطلاق النار في غزة لم يكن سوى بداية جديدة للحرب، حرب التدمير المنهجي التي تهدف إلى إعادة تشكيل القطاع بشكل كامل. هذه الحملات الهادفة لا تعكس رغبة في السلام، بل تؤكد على إصرار إسرائيل على فرض سيطرتها، ومعاقبة الفلسطينيين، وتغيير التركيبة السكانية للقطاع. هذا الوضع يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الانتهاكات، وحماية حقوق الفلسطينيين، وإيجاد حل عادل ودائم للصراع. إن مستقبل غزة معلق بين أيدي الضمير العالمي.















