تسوية أوضاع عناصر قسد في سوريا: خطوة نحو الاستقرار وإعادة الدمج
في تطور لافت يعكس جهودًا متزايدة لتعزيز الاستقرار في مناطق شمال وشرق سوريا، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن افتتاح مراكز لتسوية أوضاع عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظتي دير الزور والرقة. يأتي هذا الإعلان في ظل استهداف مستمر لمواقع قسد، ويدل على رغبة الحكومة السورية في استعادة السيطرة ودمج الأفراد السابقين في هياكل الدولة. هذه الخطوة، التي بدأت في 26 يناير 2026، تهدف إلى تمكين هؤلاء العناصر من العودة إلى حياتهم الطبيعية والمساهمة في إعادة بناء المنطقة، مع التركيز على تسليم الأسلحة والمعدات كشرط أساسي.
افتتاح مراكز التسوية في دير الزور والرقة
بدأت وزارة الداخلية السورية بتفعيل مراكز مخصصة لاستقبال طلبات تسوية أوضاع عناصر قسد السابقين. في دير الزور، تم تخصيص مركز داخل مبنى قيادة الأمن الداخلي، بينما تم تجهيز مركز آخر في الرقة في مبنى نقابة العمال السابق. هذه المراكز ستكون نقطة الاتصال الرئيسية للعناصر الراغبين في الاستفادة من قرار التسوية، وستوفر لهم الدعم والإرشاد اللازمين لإتمام الإجراءات المطلوبة.
محمد أحمد، مدير مركز التسوية في الرقة، أكد أن الهدف الرئيسي من هذه المبادرة هو تسهيل عودة جميع العاملين السابقين في صفوف قسد إلى المجتمع، بغض النظر عن دورهم السابق – سواء كان أمنيًا، عسكريًا، أو حراسة. وأضاف أن هذه الخطوة تتماشى مع الجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في الرقة، التي شهدت في السنوات الأخيرة توترات أمنية متزايدة. الإقبال على المركز في اليوم الأول كان كثيفًا، مما يشير إلى وجود رغبة حقيقية لدى العديد من العناصر في تسوية أوضاعهم.
استهداف قسد وتصاعد التوترات
في سياق متصل، شهدت بلدة صرين والقرى المحيطة بها في محيط مدينة عين العرب (كوباني) قصفًا مكثفًا من قبل قسد باستخدام أكثر من 15 طائرة مسيرة انتحارية. أدى هذا الهجوم إلى أضرار مادية في آليات ومنازل المدنيين، لكنه لم يسفر عن أي خسائر بشرية. هذا التصعيد في التوترات يضع ضغوطًا إضافية على عملية التسوية، ويؤكد على أهمية إيجاد حلول سلمية ومستدامة للأزمة في المنطقة.
شروط التسوية والإجراءات المطلوبة
تؤكد وزارة الداخلية السورية على ضرورة التزام الراغبين في التسوية بتقديم جميع الأوراق الثبوتية، والأمانات، والمعدات التي كانت بحوزتهم. بالإضافة إلى ذلك، يجب عليهم تسليم جميع الوثائق والمستندات الورقية والإلكترونية التي حصلوا عليها من قسد. التخلف عن إجراء التسوية قد يعرض الأفراد للمساءلة القانونية، مما يجعل هذه الخطوة ضرورية لحماية حقوقهم وتجنب أي تبعات سلبية.
الوزارة تشدد على أهمية تسليم الأسلحة والمعدات كجزء أساسي من عملية التسوية، وذلك بهدف الحد من انتشار الأسلحة غير المرخصة وتعزيز الأمن في المنطقة. هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان أن عملية التسوية تتم بشكل شفاف وفعال، وأنها تساهم في تحقيق الاستقرار الدائم.
قصص من أرض الواقع: شهادات عناصر سابقين في قسد
يعكس قرار التسوية آمال وتطلعات العديد من العناصر السابقين في قسد. عبد الله أحمد الحمد (28 عامًا) من محافظة دير الزور، وهو مقاتل سابق في قوات سوريا الديمقراطية، شارك قصته مع الجزيرة نت بعد إتمام تسويته الأمنية. تحدث عن تجربته العسكرية والمخاوف التي رافقته خلال فترة الصراع، وكيف تغيرت حياته بعد دخول الجيش السوري إلى المنطقة.
انضم الحمد إلى قوات الأمن الداخلي التابعة لقسد في يوليو 2023، وعمل في المجال العسكري في مهام حماية المؤسسات. بعد سنة ونصف، انشق شقيقه مع سقوط نظام الأسد، واستغل وضعه كأعزب للانضمام إلى الصفوف الجديدة التي تشكلت بعد تغيير موازين السيطرة. وصف الحمد الضغوط التي واجهها خلال فترة عمله، بما في ذلك الملاحقة القانونية والإشاعات التي كانت تروج لها قسد.
بعد دخول الجيش السوري، بقي الحمد في منزله لمدة عشرة أيام خوفًا من ردود الفعل المحتملة. لكنه بعد إعلان الرئيس أحمد الشرع عن تسوية شاملة، توجه إلى المركز حيث استُقبل باحترام وود.
جهود حكومية لتعزيز الاستقرار وإعادة الدمج
تأتي هذه المبادرة في إطار جهود حكومية أوسع لإعادة دمج العناصر السابقة في المجتمع المدني. وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة أكد في تغريدة على منصة “إكس” أن الوزارة بدأت باتخاذ الإجراءات اللازمة لافتتاح مديريات التجنيد والتعبئة في المنطقة الشرقية، بما يضمن عملها وفق المعايير المعتمدة. وأشاد بحماس وثقة أهالي المنطقة بالجيش السوري.
هوزان إبراهيم، مقاتل سابق آخر في صفوف قسد، دعا جميع العناصر العسكرية إلى المبادرة بإجراء التسوية، مؤكدًا أنها تتيح لهم حرية التنقل وتصحيح أوضاعهم السابقة. هذه الدعوة تعكس إيمانًا بأن التسوية هي الطريق الأمثل نحو مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا.
مستقبل التسوية وتأثيرها على المنطقة
تسوية أوضاع عناصر قسد تمثل خطوة هامة نحو تحقيق الاستقرار في سوريا. من خلال توفير فرصة للعودة إلى الحياة الطبيعية، يمكن للحكومة السورية أن تقلل من التوترات الأمنية وتعزز الوحدة الوطنية. نجاح هذه المبادرة يعتمد على الشفافية والعدالة في الإجراءات، وعلى توفير الدعم اللازم للعناصر السابقين لإعادة بناء حياتهم. بالإضافة إلى ذلك، يجب على جميع الأطراف المعنية العمل معًا لإيجاد حلول سياسية شاملة للأزمة السورية، بما يضمن حقوق جميع المواطنين ويحقق السلام الدائم. الاستمرار في هذه الجهود سيساهم في بناء مجتمع أكثر أمانًا وتماسكًا، ويفتح الباب أمام مستقبل أفضل لسوريا وشعبها.















