في خضم التطورات السياسية والأمنية المتسارعة في سوريا، كشفت الجزيرة نت عن مشاهد جديدة من داخل معاقل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظة الرقة، شمال شرقي البلاد. هذه المشاهد، التي تتضمن صورًا لمقاتلين من حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه) داخل المقار الأمنية، تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، وتتناقض مع النفي المتكرر لمسؤولي قسد لوجود أي انتماء تنظيمي لهم. هذه التطورات تلقي الضوء على تعقيدات المشهد الكردي السوري، وتأثيرها على مساعي الاستقرار والسلام في المنطقة.
صور من داخل معاقل قسد: حضور لـ “البي كيه كيه” يتحدى النفي
أظهرت التقارير التي نشرتها الجزيرة نت صورًا لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان معلقة داخل بعض المقار الأمنية السابقة التابعة لـ قسد في مناطق الجزيرة السورية، وخاصة الرقة والحسكة. هذا الحضور البصري القوي يمثل تحديًا مباشرًا لادعاءات قسد باستقلاليتها عن الحزب، خاصةً وأن أوجلان نفسه وجه دعوة من سجنه في جزيرة إمرالي إلى إلقاء السلاح وحل التنظيمات المسلحة المرتبطة به، بالإضافة إلى مطالبته بدمج قسد في مؤسسات الدولة السورية.
ردود فعل قسد: التأكيد على الاستقلالية
في تصريح تلفزيوني، أكد صالح مسلم، أحد قياديي الإدارة الذاتية المرتبطة بـ قسد، أن “قوات سوريا الديمقراطية لا تمت بأي صلة لحزب العمال الكردستاني”. يأتي هذا التصريح في سياق محاولات مستمرة للتمييز بين الطرفين، خاصةً مع الضغوط المتزايدة من كل من تركيا والنظام السوري. تصر قسد على أنها قوة سورية متعددة المكونات، وتصف الاتهامات بالارتباط بالحزب بأنها مجرد “دعاية تركية” أو “تضليل”.
التمهيد السياسي: نفي مستمر وتصاعد التوترات
لطالما أصرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في بياناتها الرسمية على أنها قوة سورية متعددة المكونات، نافيةً أي هيكل تنظيمي مشترك أو سيطرة مباشرة من جبال قنديل، المقر الرئيسي لحزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، وبعد سيطرة الجيش السوري على مناطق كانت خاضعة لسيطرة قسد، أزال السكان المحليون في مدن مثل الرقة والحسكة صورًا لقادة من حزب العمال الكردستاني، معبرين عن فرحتهم بـ”التحرير”.
شهادات من الميدان: أدلة على الارتباط
مصدر عسكري في الجيش السوري صرح بأن جميع المقار التي استعادها الجيش كانت تحمل شعارات حزب العمال الكردستاني وصور قادته، على الرغم من نفي قسد لأي وجود لأفراد من الحزب داخل صفوفها. وأضاف المصدر أن معظم هؤلاء المقاتلين ليسوا سوريين، بل قدموا من جبل قنديل. كما كشف عن العثور على وثائق وأوامر صادرة عن سيبان حمو، قائد في حزب العمال الكردستاني، داخل الفرع الأمني الذي تم اقتحامه في الرقة. وذكر المصدر رصد مئات المقاتلين من حزب العمال الكردستاني في منطقة دير حافر، وآلاف آخرين في الحسكة.
دعوة أوجلان: تحول في الخطاب أم مناورة؟
قبل أشهر، أعلن عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني المعتقل في تركيا منذ عام 1999، عن “طي صفحة الكفاح المسلح” الذي خاضه الحزب ضد الدولة التركية على مدى أربعة عقود. ودعا في رسالة مصورة إلى تحول كامل نحو السياسات الديمقراطية وسيادة القانون، مطالباً قسد بالاندماج في مؤسسات الدولة السورية. يثير هذا التحول في الخطاب تساؤلات حول دوافعه الحقيقية، وما إذا كان يمثل محاولة لتهدئة التوترات، أو مجرد مناورة سياسية.
التأثير الكردي: عمق الروابط والتحديات المستقبلية
الكاتب والباحث محمود علوش يوضح عمق الروابط بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية، وتأثير ذلك على قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويشير إلى أن الحزب هو المؤسس الروحي لوحدات حماية الشعب، وأن الارتباط بينهما يمتد إلى مستويات متعددة، تشمل المقاتلين والقيادات والفكر. ويؤكد علوش على وجود انقسام كبير داخل قسد، حيث يضغط تيار ينتمي إلى حزب العمال الكردستاني على الجنرال مظلوم عبدي، محاولاً تحويل الصراع إلى نزاع عربي-كردي، مما يشكل عقبة أمام أي اتفاق لدمج قسد في الدولة السورية.
تحولات أمريكية ودور الرئيس الشرع
يرى علوش أن هناك تحولًا أمريكيًا جديدًا يقارب ملف قسد من منظور ينسجم مع دمشق بشكل أكبر من ذي قبل. ويشير إلى أن ما نشهده اليوم هو نتيجة طبيعية لتحولات بدأت منذ تدخل تركيا في عام 2016، وسقوط نظام الأسد، ونجاح الرئيس أحمد الشرع في تهيئة البيئة لحل هذا الملف. ويؤكد على رفض سكان الجزيرة السورية للخطاب القومي للوحدات الكردية والمشروع الانفصالي المرتبط بها، مما أدى إلى انهيار سيطرة قسد على المناطق العربية.
التحديات السورية: مستقبل قسد في ظل التطورات
مظلوم عبدي، قائد قسد، يرى أن دعوة أوجلان إلى حل الحزب وإلقاء السلاح تتعلق بالحزب داخل تركيا فقط، ولا علاقة لها بسوريا. ويعرب عن ترحيبه بـ”الإعلان التاريخي” الذي يدعو إلى إنهاء الحرب في تركيا، واصفًا إياه بفرصة لبناء السلام. لكن الباحث في الشؤون التركية قتيبة فرحات يرى أن ملف حزب العمال الكردستاني في تركيا قد انتهى، بينما مصير امتداده في سوريا أكثر تعقيدًا، بسبب سيطرة العناصر “القنديلية” على الأرض. ويشير إلى أن تركيا دعمت مسار السلام مع الحزب عبر خبرتها الطويلة في الصراع معه، لكن الملف السوري يختلف بسبب وجود كيان مسيطر على الأرض.
في الختام، تكشف التطورات الأخيرة في الرقة ومناطق الجزيرة السورية عن تعقيدات العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحزب العمال الكردستاني، وتثير تساؤلات حول مستقبل قسد في ظل الضغوط المتزايدة والتحولات السياسية. يتطلب حل هذا الملف حوارًا شاملاً بين جميع الأطراف المعنية، مع الأخذ في الاعتبار مصالح جميع المكونات السورية، والسعي نحو تحقيق الاستقرار والسلام الدائمين في المنطقة. هذه القضية تتطلب متابعة دقيقة وتحليل معمق لفهم التداعيات المحتملة على مستقبل سوريا والمنطقة.















