غزة – ليومين متتاليين يجافي النوم عيني الطفلة بدرية عصام صقر (14 عاماً)، وتداهمها هواجس مخيفة، منذ أن نجت من موت محقق، إثر رصاصة أطلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي اخترقت خيمة أسرتها، وأصابتها في ذراعها وصدرها. هذه ليست مجرد قصة فردية، بل هي جزء من واقع مرير يعيشه آلاف النازحين في غزة، حيث الخوف والقلق رفيقهم الدائم.
تداعيات الرصاص على حياة النازحين في غزة
كانت عقارب الساعة تشير إلى منتصف ليلة الاثنين الماضي، وهذه الطفلة نائمة متكورة على نفسها، لتحتمي من شدة البرد، داخل خيمة بالية تنزح بها وأسرتها (11 فرداً) في “مخيم الألباني” غرب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. فجأة انتفضت من فرشتها المهترئة، بعد أن “شعرت بوخز وألم شديد في ذراعي وصدري، والدماء تنزف من جسدي، وأيقظت صرخاتي والدتي وأسرتي”، تقول بدرية للجزيرة نت.
هذه الحادثة ليست استثنائية بالنسبة للنازحين في الخيام ومراكز الإيواء في منطقة المواصي والمناطق القريبة مما يسمى “الخط الأصفر”، حيث يتمركز جيش الاحتلال، الذي لا يتوقف عن إطلاق النار على مدار الساعة. يخترق الرصاص أقمشة الخيام المتهالكة والجدران المتداعية، ويُخلّف ضحايا من شهداء وجرحى.
استمرار الخروقات رغم اتفاق وقف إطلاق النار
قبل ساعات قليلة من إصابة الطفلة بدرية، استشهد الأربعيني منار المدهون نتيجة عيار ناري أصابه داخل خيمة عائلته في “منطقة الإقليمي” القريبة من “الخط الأصفر” الفاصل بين مدينتي رفح وخان يونس. وأردفت بدرية، التي يُرعبها صوت الرصاص الذي لا مفر منه داخل خيام النازحين: “أخاف أن أموت وأنا نائمة”، وتتساءل ببراءة: “هناك تهدئة، فلماذا يطلقون الرصاص؟”.
لا يلمس النازحون فيما تبقى من مناطق ضيقة خارج نطاق الخط الأصفر، تكتظ بها خيامهم، أثراً لاتفاق وقف إطلاق النار، وما يسمونه “الرصاص الطائش” الذي حصد أرواح المئات منهم منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ولكن، هذا الرصاص ليس طائشاً كما يُوصف، بل هو جزء من نمط مقلق.
هل الرصاص “طائش” أم متعمد؟
وهو ليس رصاصا طائشا أو عشوائيا، تقول منظمات حقوقية إن جيش الاحتلال يتعمّد القتل بإطلاق النار نحو خيام ومراكز إيواء متواضعة، ويحوُّلها إلى مسرح دائم للترقُّب والقلق، وبات الهدوء بالنسبة للنازحين فيها أمنية بعيدة وحلما مؤجلا. في مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، خطفت إحدى هذه الرصاصات الشاب العشريني أحمد حسام نعيم (24 عاما)، بعد أن أصابته في مقتل بينما كان يقف عند مدخل خيمته غرب مدينة خان يونس.
يقول والده للجزيرة نت بعيون يملؤها الحزن: “نجونا مرات كثيرة من القصف، وفقدت ابني برصاصة. لا فرق فالموت هو الموت”. وكان أحمد شابا مقبلا على الحياة، يقضي يومه في العمل والدراسة لإتمام متطلبات فصله الجامعي الأخير، ويضيف الوالد المكلوم: “اتفاق وقف إطلاق النار مجرد وهم، والقتل لا يتوقف، وهذه الخيام لا تحمينا من رصاص أو حتى من برد ومطر”.
النزوح وتفاقم الأوضاع الإنسانية
هذه الأسرة نازحة من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة منذ بدايات اندلاع الحرب الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولم تعد إلى بلدتها الواقعة خلف الخط الأصفر، وقد خسرت منزلها وكل ما تملك في هذه البلدة المنكوبة والمدمرة كليا، وفقا لوالد الشهيد. ولا يشعر والد الشهيد أحمد بالأمان على أسرته ويخشى من فقد آخر، جراء إطلاق النار اليومي، ومسيّرات كوادكابتر تحوم فوق الخيام، تدب الرعب في القلوب وتنذر بالموت.
توثيق الخروقات وتقديرات الضحايا
يشير توثيق المكتب الإعلامي الحكومي ووزارة الصحة في غزة إلى أن جيش الاحتلال ارتكب أكثر من 1300 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ التوصل إليه، بينها عمليات قصف جوي ومدفعي وإطلاق نار خلَّفت 492 شهيدا، و1356 جريحا. وقال مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة، المهندس زاهر الوحيدي للجزيرة نت، إن إطلاق النار من جيش الاحتلال شهد تصاعدا مقلقا وخطيرا وقاتلا منذ التوصل للاتفاق، الذي لم يوقف مسلسل القتل شبه اليومي والمتكرر في القطاع.
لا تتوفر لدى وزارة الصحة إحصائية دقيقة لأعداد الشهداء والجرحى من ضحايا عمليات إطلاق الرصاص من قوات الاحتلال المتمركزة على حدود الخط الأصفر، وأوضح الوحيدي أن الوزارة لا تفصل في التوثيق بالسجلات الرسمية من يُعرَفون شعبيا بـ”شهداء الرصاص الطائش” عن شهداء القصف والاستهداف المباشر. وأشار إلى أن أغلبية ضحايا الرصاص هم من الأطفال والنساء، وأنهم فقدوا حياتهم جراء إصابات قاتلة في الأجزاء العلوية من أجسادهم، سواء داخل الخيام ومراكز الإيواء أو في الشوارع، وليست دائما قريبة من الخط الأصفر، فقد وقعت حوادث قتل وإصابة في مناطق بعيدة نسبيا عن أماكن وجود جيش الاحتلال.
انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي
بدوره، رفض مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء السكافي، وصف “عشوائي” أو “طائش” على الرصاص الذي يطلقه جيش الاحتلال، وقال للجزيرة نت إنه بات وسيلة ممنهجة ومتعمدة للاحتلال لإبقاء حالة عدم الأمان وزعزعة الاستقرار، وترتكب بها انتهاكات قد ترقى لجرائم حرب وفق القانون الدولي. ويؤكد الناشط الحقوقي أن ما تسفر عنه عمليات إطلاق النار هي “جرائم ممنهجة ومقصودة”، فالاحتلال يعي أن احتمالات القتل والإصابة عالية جراء رصاص ينهمر على خيام النازحين في غزة، خاصة في منطقة المواصي التي تكتظ بمئات آلاف الأسر النازحة.
أوضح السكافي أن إطلاق النار بهذه الطريقة يخالف ما تنص عليه الاتفاقات والقوانين الدولية، بينما يخص مبدأ التمييز، الذي يكفل حماية المدنيين في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة، ويتسائل: كيف لو جاء في ظل اتفاق لوقف إطلاق النار؟ ورصدت مؤسسة الضمير تكرار حالات القتل والإصابة برصاص ينطلق من جنود الاحتلال خلف الخط الأصفر، الذي يقضم زهاء 60% من مساحة القطاع الساحلي الصغير، ويجبر أكثر من مليوني فلسطيني على التكدُّس في منطقة المواصي وعلى امتداد الشريط الساحلي الضيّق.
مستقبل مجهول للنازحين في غزة
وأشار الناشط السكافي إلى أن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، لا تتوقف ولم يحد منها الاتفاق، وهي خروق متنوعة بالقتل ومواصلة الحصار والقيود على إدخال الإمدادات الطبية والإنسانية ومستلزمات الإيواء. إن الوضع الإنساني في غزة يزداد سوءاً، ويبقى مصير أوضاع النازحين مجهولاً في ظل استمرار هذه الانتهاكات. يتطلب الأمر تحركاً دولياً عاجلاً لوقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان حماية المدنيين، وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة لتخفيف معاناتهم.















