في قلب شمال الضفة الغربية، يقف مخيم جنين شاهدًا على عام من المعاناة والنزوح والدمار. أمام حاجز مرتفع من التراب والصخور عند مدخل مخيم جنين، يقف أبو محمد الفايد (60 عامًا) محاولًا النظر نحو منزله الذي اضطر إلى تركه قبل عام كامل بعد اقتحامه من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي. هذه قصة ليست فريدة، بل هي تجسيد لمعاناة آلاف الفلسطينيين الذين أجبروا على النزوح بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة.

عام على “السور الحديدي”: قصة نزوح ومعاناة

يتذكر الفايد اللحظات الأولى لنزوحه مع عائلته من المخيم، بعد بدء العملية العسكرية الإسرائيلية المسماة “السور الحديدي”. العملية التي بدأت في يناير 2025، فرضت على الأهالي إخلاء منازلهم والخروج في ممرات تفتيش نصبتها قوات الاحتلال عند المدخل الغربي للمخيم. “نزحت مع بداية فبراير/شباط من العام الماضي، بعد نحو أسبوع من دخول جيش الاحتلال إلى جميع أحياء المخيم وحاراته”، يقول الفايد للجزيرة نت.

فضل الفايد البقاء في منزله حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن بدأت طائرات “الدرونز” المسيَّرة تحلّق فوق حارات السمران والحواشين، وهدد الاحتلال بقصف المنازل إذا لم يغادر الأهالي. نزح إلى أطراف المخيم، وبدأ بعد أيام رحلة البحث عن مأوى. لم يكن يتوقع أن تستمر هذه الرحلة عامًا كاملاً. “لم آخذ شيئًا، حتى أني لم أحمل مالًا كافيًا، وتركت كل شيء على حاله في البيت الذي كنت أظن أنني سأعود إليه بعد أسبوع على أقصى تقدير. واليوم مر عام كامل، وهذا بكل تأكيد أسوأ كابوس أعيشه في حياتي، لا أصدّق أنه لم ينته خلال عام”.

توسع العمليات العسكرية وتغيير الخارطة الجغرافية

بعد نحو 10 أيام من بدء العملية في مخيم جنين، وسَّعت إسرائيل عمليتها لتشمل مخيمي طولكرم ونور شمس في ضواحي طولكرم، إضافة إلى مخيم الفارعة في محافظة طوباس. استمرت هذه العمليات بوتيرة متقطعة، مخلفة دمارًا هائلاً في البنية التحتية ونزوح مئات العائلات.

خلال عام، تغيرت الخارطة الجغرافية لمخيم جنين بشكل خاص ولمدينة جنين بشكل عام. دمر الاحتلال نحو ثلثي المخيم، وعملت جرافاته العسكرية على فتح شوارع ومربعات سكنية جديدة فيه، إضافة إلى إغلاق كل مداخله وتحويله إلى معسكر يُمنع دخوله. تضاعفت عمليات اقتحام المدينة وقراها، ودهم المنازل، وشن حملات اعتقال غير مسبوقة. هذه العمليات أثرت بشكل كبير على حياة السكان المحليين وأدت إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية.

أرقام وإحصائيات حول الاعتقالات والخسائر

يذكر نادي الأسير الفلسطيني أن عمليات الاعتقال في محافظتي جنين وطولكرم خلال العام الماضي بلغت نحو 2300 حالة، منها 1470 في جنين من بين 21 ألف حالة اعتقال سُجلت في الضفة الغربية خلال العام نفسه. وبحسب بلدية جنين، فقد قُدّرت الخسائر المباشرة لعملية “السور الحديدي” بنحو 320 مليون دولار، في حين امتدت الخسائر في البنى التحتية والشوارع إلى بلدات المحافظة وقراها التي شهدت اقتحامات متكررة وشبه يومية خلال العام.

مدير العلاقات العامة في بلدية جنين، بشير مطاحن، أوضح أن الاحتلال أجبر نحو 22 ألف مواطن على النزوح من مخيم جنين وأطرافه. توزع النازحون على مراكز عدة داخل المدينة وفي القرى والبلدات، أما القسم الأكبر منهم فاستقر في “سكنات الجامعة العربية الأمريكية” في بلدة الزبابدة جنوبي المدينة، وبلغ عددهم نحو 6000 نازح. كما تم رصد تدمير 300 بناية، وهو ما يقارب 1500 وحدة سكنية. محافظة طولكرم تؤكد أن عدد النازحين من مخيمات المدينة وصل إلى 24 ألف نازح وسط هدم الاحتلال لنحو 2000 وحدة سكنية.

تأثير العمليات العسكرية على المقاومة والاقتصاد

مع دخول العملية العسكرية في مخيمات شمالي الضفة عامها الثاني، زادت مطالبات الاحتلال بإنهاء دور وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وإغلاق وتدمير مقارها في المخيم، وذلك أحد أبرز شروطه للانسحاب منه. لكن حتى اليوم، بقيت أكثر النقاط أهمية وتداولا لدى النازحين هي موعد انتهاء العملية وانسحاب الاحتلال وعودة النازحين.

قتلت إسرائيل في محافظة جنين 62 مواطنًا خلال عام 2025، إضافة إلى استشهاد 7 من أسرى المحافظة داخل سجون الاحتلال، في حين استشهد من محافظة طولكرم 17 مواطنًا. تمكنت إسرائيل من اغتيال قائد كتيبة جنين الشيخ نور البطاوي، وعدد من قادة الكتيبة، مما أدى إلى انتهاء الكتائب المسلحة في جنين وطولكرم.

على الرغم من تأثير عملية “السور الحديدي” في المقاومة بشمالي الضفة، يرى محللون أنها أعادت تشكيل البيئة العامة للضفة باتجاه “مزيد من العسكرة وانعدام اليقين وتآكل الأفق السياسي”.

لم تقتصر آثار العملية الإسرائيلية العسكرية في مخيم جنين على الجوانب الأمنية والسياسية والمعيشية للفلسطينيين، بل أضرت بالاقتصاد المحلي بشكل كبير. فقدت مدينة جنين نحو 450 مليون شيكل شهريًا (123 مليون دولار) من دخل 30 ألف عامل كانوا يعملون داخل الخط الأخضر، وأُوقفت تصاريح عملهم أو مُنعوا من التوجه إلى أعمالهم. ارتفعت نسبة البطالة في جنين عام 2025 إلى نحو 53%، واضطر 62% من الشركات والمحال إلى تعديل عقود العمال من العمل الكامل إلى الجزئي.

في الختام، يظل مخيم جنين رمزًا للصمود والمعاناة الفلسطينية. عام من النزوح والدمار ترك ندوبًا عميقة في قلوب سكانه، لكنه لم يكسر إرادتهم. تبقى العودة إلى الديار، وإعادة بناء ما دمر، هي الأمل الذي يراودهم كل يوم. هذه القضية الإنسانية تستدعي اهتمامًا دوليًا لضمان حقوق الفلسطينيين وتحقيق السلام العادل والدائم.

شاركها.
اترك تعليقاً