في أعقاب عملية “الغضب الملحمي” التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تتكشف خريطة الانقسامات داخل أوروبا، حيث يظهر تباين حاد في المواقف بين الدول الأوروبية. هذا التباين يعكس حالة من الإقصاء تعيشها القارة العجوز، كما صرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤكداً أن فرنسا لم تُبلَّغ بالعملية ولم تُشرَك فيها، وهو ما ينطبق على دول المنطقة وحلفائها. هذا المقال يتناول الردود الأوروبية على الهجوم على إيران، ويحلل المواقف المتباينة، والانقسامات العميقة التي كشفت عنها هذه الأزمة.
تباين المواقف الأوروبية: صمت وتخوف وانقسامات
بعد إطلاق العملية العسكرية، سارعت الدول الأوروبية إلى البحث عن صيغ دبلوماسية لا تُغضب أحداً، لكن النتيجة كانت مجموعة من التصريحات المتباينة التي تعكس أربعة “مجموععات أوروبية” مختلفة، لا يجمع بينها الكثير من التوافق. هذا التشتت في الرؤى يضعف دور أوروبا كلاعب مستقل في السياسة الدولية، ويُظهر مدى اعتمادها على الولايات المتحدة في قضايا الأمن الإقليمي.
الموقف الثلاثي: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا
أصدرت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، التي تشكل تقليدياً العمود الفقري للدبلوماسية الأوروبية مع طهران، بياناً مشتركاً يدين “بأشد العبارات” الضربات الإيرانية الانتقامية ضد دول الجوار. ومع ذلك، تجنب البيان أي إشارة إلى الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أثارت هذه الردود الانتقامية، مما يعكس محاولة لإرضاء جميع الأطراف وتجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن.
إلا أن الرئيس ماكرون كان الأكثر جرأة في هذا الثلاثي، حيث دعا إلى “إعادة الكلمة إلى الشعب الإيراني الذي يُسفك دمه على يد النظام عبر ذبح المعارضين”، في إشارة واضحة إلى إمكانية تغيير النظام في طهران. كما طالب بعقد اجتماع لمجلس الأمن في محاولة لإعادة أطراف الصراع إلى طاولة المفاوضات.
الموقف الألماني: تغطية أمريكية غير مطلوبة
بالمقابل، بدا المستشار الألماني فريدريش ميرتس أكثر قرباً من واشنطن، حيث برر الهجوم الأمريكي صراحةً، قائلاً إن “الولايات المتحدة سعت طويلاً إلى حل تفاوضي، لكن إيران لم تقبل”. هذا التصريح منح دونالد ترمب “غطاء” أوروبياً لم يطلبه أصلاً، ويعكس التزام ألمانيا الوثيق بالحلف الأطلسي.
الجناح الشرقي: دعم غير مشروط
في الجزء الشرقي من القارة، بدا الموقف أكثر انسجاماً، حيث يشدد قادة دول المنطقة على مواجهة “التهديد الإيراني”، ويدعمون الحلفاء دون مساءلة عن شرعية الضربات، ويدينون بقوة رد طهران على دول الخليج.
دعم ترمب وتأييد العملية العسكرية
دان رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش، المعروف بتأييده لترمب، الضربات الإيرانية على دول المنطقة، واعتبرها رئيس الوزراء الإستوني كريستن ميخال “غير مقبولة”، داعياً إلى استئناف فوري للجهود الدبلوماسية، دون كلمة تحفظ واحدة على العملية الأمريكية الإسرائيلية.
كما اتبعت رئيسة الحكومة اللاتفية إفيكا سيلينا نفس الخط، لكنها الوحيدة التي ربطت صراحة بين طهران وموسكو، مذكرة بأن النظام الإيراني “يواصل دعم العدوان الروسي في أوكرانيا”، في قراءة للأزمة الإيرانية بوصفها ساحة إضافية للحرب نفسها.
خارج السرب: مواقف معارضة ومصالح متضاربة
على الطرف الآخر، يقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وحيداً، فهو الزعيم الأوروبي الوحيد الذي يرفض صراحة “العمل العسكري الأحادي للولايات المتحدة وإسرائيل”، بوصفه “تصعيداً مخالفا للقانون الدولي”. هذا الموقف يعكس التزام إسبانيا بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
تحفظ إيطاليا واهتمام المجر بالنفط
أما رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، فبدا أنه لا يهتم بالضربات الأمريكية أو الردود الإيرانية، ويرى الأزمة فقط من زاوية مشكلات إمدادات النفط، مما يعكس أولويات المجر الاقتصادية.
في جنوب القارة، اختارت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التحفظ طوال اليوم، ثم أصدرت بيانها في وقت متأخر من المساء، وتضمن إدانة الضربات الإيرانية على دول الخليج، والتضامن مع الشعب الإيراني الذي يتعرض للقمع، وصمت عن الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
خلاصة: مستقبل أوروبا في ظل تصاعد التوترات
إن الردود الأوروبية على الهجوم على إيران كشفت عن انقسامات عميقة داخل القارة، وضعف قدرتها على لعب دور مستقل في السياسة الدولية. هذا التشتت في الرؤى يضع أوروبا أمام تحديات كبيرة في التعامل مع تصاعد التوترات في المنطقة، ويُهدد مصالحها الأمنية والاقتصادية. من الضروري أن تسعى أوروبا إلى توحيد صفوفها، وتطوير استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمة الإيرانية، بما يحافظ على الأمن والاستقرار الإقليميين، ويحمي مصالحها الخاصة. الأزمة الإيرانية الحالية تتطلب من أوروبا إعادة تقييم دورها في السياسة الدولية، والبحث عن طرق جديدة لتعزيز استقلاليتها وقدرتها على التأثير في الأحداث.















