كان يُفترض أن تصبح الحرب، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في نهاية أسبوعها الأول أكثر وضوحًا، سواء في دوافعها، أو الاتجاهات الرئيسة لوقائعها، أو ما يسعى قادة الحرب إلى تحقيقه منها. ولكن مرور الأسبوع الأول، وعلى الرغم من دوي الطائرات والصواريخ في سماء المشرق، ومن مشاهد الدمار واسع النطاق، لم يزد مسار الحرب إلا غموضًا. هذا الغموض يثير تساؤلات حول مستقبل المنطقة واستقرارها، ويجعل فهم دوافع هذه الحرب على إيران أمرًا بالغ الأهمية.
دوافع الحرب المتضاربة وتضارب الروايات
تحدث الرئيس ترمب في أيام الحرب الأولى إلى العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، كما إلى البي بي سي البريطانية؛ كما عقد وزيرا الخارجية والحرب الأمريكيان أكثر من مؤتمر صحفي. وبدا، في كل مرة تحدث فيها الرئيس أو أحد مسؤولي إدارته الكبار، أن رواية الحرب تُطرح بصورة مختلفة، قليلًا أو كثيرًا. هذا التضارب في التصريحات أثار حيرة المراقبين وأضاف إلى حالة عدم اليقين السائدة.
قال الرئيس في البداية: إن الحرب لن تستمر أكثر من عدة أيام، وربما لأسبوع؛ وقال مرة أخرى إنها قد تستمر أربعة إلى خمسة أسابيع. وفي مرة ثالثة، أكد أن الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في الحرب إلى أن تحقق أهدافها. وفي تسويغ قرار الحرب، قال: إن إيران تمثل تهديدًا لأمن الولايات المتحدة، وإن الوفد الإيراني تلاعب بمسار التفاوض في جولات المباحثات الثلاث بين إيران والولايات المتحدة، وتهرَّب من التعامل مع المطالب الأمريكية الواضحة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
ولكن، وخلال مؤتمر صحفي سريع، في 2 مارس/آذار 2026، فاجأ وزير الخارجية، ماركو روبيو، الصحفيين والرأي العام الأمريكي بقوله: إن الولايات المتحدة ذهبت إلى الحرب على إيران تبعًا لإسرائيل، وخشية من أن يستهدف الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية أهدافًا أمريكية. خرج الرئيس ترمب في اليوم التالي، ليؤكد أن قرار الحرب كان أمريكيا خالصًا، وأن الولايات المتحدة هي التي جرَّت إسرائيل للحرب وليس العكس. هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات حول الجهة الفاعلة الرئيسية في إطلاق هذه الأزمة الإيرانية.
الشراكة الأمريكية الإسرائيلية في الحرب
في نهاية الأسبوع الأول من الحرب، لم يكن من المتيسر بعد، وسط تضارب الأقوال والدوافع، تقديم إجابة حاسمة على سؤال دوافع الحرب والمسؤول الأول عن إطلاقها؛ وبدا أن الكشف عن هذا الجانب من الحرب سيُترك للمؤرخين. ولكن هذا يجب ألا يمنع محاولة رؤية المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه الحرب، والآثار التي بدأت تتركها على إيران وعلى جوارها الإقليمي، وعلى العالم، واتجاهات رياحها المحتملة.
هذه هي الحرب الأولى، منذ قيام إسرائيل، التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل معًا، وفي إطار من الشراكة الكاملة. قدمت الولايات المتحدة دعمًا عسكريًّا واستخباراتيًّا مباشرًا لإسرائيل في حروب سابقة، مثل حرب 1967، وحرب 1973. كما شاركت الولايات المتحدة في حرب الاثني عشر يومًا، التي شنَّتها إسرائيل على إيران، في يونيو/حزيران 2025؛ ولكن هذه كانت مشاركة محدودة. في هذه الحرب، ثمة تقاسم لمسؤوليات الحرب منذ يومها الأول، وتنسيق عملياتي لحظي وكامل.
والراجح، أن هذه الحرب خُطِّط لها بصورة مشتركة منذ شهور، وأنها كانت موضوعًا رئيسًا في زيارات القادة العسكريين الأمريكيين والإسرائيليين المتبادلة في الشهور القليلة الماضية. هذا التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل بُعدًا جديدًا في الصراع الإقليمي.
دور الوساطة التركية الفاشلة
وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، كان واضحًا تمامًا في لقاء معه، يوم 3 مارس/آذار، في إشارته إلى أن الحرب كانت ستندلع في 30 يناير/كانون الأول 2026، ولكن نجاح الوساطة التركية في جمع الأمريكيين والإيرانيين في جولة المباحثات الأولى، التي عُقِدت في عُمان، في 6 فبراير/شباط، أوقفت الحرب يومها. هذا يكشف عن جهود دبلوماسية مكثفة بذلت لتجنب التصعيد، لكنها باءت بالفشل في النهاية.
أهداف الحرب المتناقضة
ولكن هذا لا يعني أن ثمة اتفاقًا كاملًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول أهداف الحرب وشروط نهايتها. في اليومين الأولين من الحرب، قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، إن لديه فكرة جيدة عن القيادة البديلة لإيران، موحيًا بوجود اتصالات أمريكية مع جناحٍ ما في الدولة الإيرانية. وفي تصريحات تالية، قال الرئيس ترمب إنه لا يسعى إلى تغيير النظام، وإنه يترك مستقبل الحكم لقرار الشعب الإيراني وإرادته.
ولكن، في 2 مارس/آذار، قال الرئيس إن القياديين الذين كان يأمل بتوليهم الحكم في إيران قد قُتِلوا في الضربة الأولى التي وُجِّهت لطهران. أما الوزيران الأمريكيان للدفاع والخارجية، بيتر هيغسيث وماركو روبيو، فقالا في تصريحين منفصلين، 2 مارس/آذار، إنهما يريان أن أهداف الحرب تتلخص في: تدمير منظومة الصواريخ الإيرانية، وتدمير البحرية الإيرانية، ومنع إيران من تطوير برنامج نووي عسكري، وتقويض قدرة إيران على مدِّ العون لوكلائها في الإقليم.
في نهاية أسبوع الحرب الأول، عاد الرئيس لطرح تصوره لمسار الحرب عندما قال في تصريحات لموقع أكسيوس الإخباري: إن الحرب لن تنتهي بدون استسلام كامل من إيران. هذا التصريح يثير مخاوف بشأن احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة.
تصعيد الحرب وتداعياتها الإقليمية
الإسرائيليون، بمن في ذلك نتنياهو ووزيرا دفاعه وخارجيته، تبنَّوا خطابًا واحدًا يدعو إلى اقتلاع النظام الإيراني كلية. هذا الاختلاف في الأهداف بين الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل خطرًا على استقرار المنطقة.
تفاقمت الحرب ومخاطرها المتزايدة، حيث وجهت إيران صواريخها وطائراتها المسيرة ليس إلى إسرائيل وحسب، بل وإلى كافة دول الجوار. هذا التوسع في نطاق الحرب يهدد بزج دول أخرى في الصراع. كما أن تدخل حزب الله في لبنان، وتحرك الفصائل الشيعية العراقية الموالية لإيران، يزيد من تعقيد الوضع.
بالإضافة إلى ذلك، بدأت تظهر تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز، واحتمال حدوث كساد اقتصادي عالمي. هذه التداعيات الاقتصادية للحرب قد تؤثر على دول العالم أجمع.
مستقبل الحرب والسيناريوهات المحتملة
تفيد تقارير مراقبين بأن الحياة في طهران ومختلف المدن الإيرانية الرئيسة لا تزال تسير بصورة طبيعية، أو في الحدود الطبيعية على الأقل. هذا يشير إلى أن النظام الإيراني لا يزال صامدًا، على الرغم من حملات القصف الأمريكية-الإسرائيلية.
ثمة مؤشرات متضافرة على أن الرئيس ترمب لا يريد إطالة أمد الحرب، ولكنه قد يقرر مواصلة الحرب لعدة أسابيع أو أشهر مقبلة، سيما إن لم تظهر مؤشرات كافية على إضعاف النظام الإيراني.
وبالرغم من الدور الكبير الذي قام به الإسرائيليون في الدفع نحو الحرب، وفي عملياتها، فسيجد الإسرائيليون صعوبة بالغة في مواصلة الهجمات بصورة منفردة إن أوقفت واشنطن الحرب.
في الختام، تظل الحرب على إيران محاطة بالغموض والتضارب، وتثير مخاوف بشأن مستقبل المنطقة واستقرارها. من الضروري متابعة التطورات عن كثب، والعمل على إيجاد حلول دبلوماسية لتجنب المزيد من التصعيد.














