في خضم الأحداث المتسارعة التي شهدتها سوريا على مدار السنوات الماضية، تظل قضية الأسلحة الكيميائية السورية من أكثر القضايا إثارة للجدل والاتهامات الدولية. تحقيق استقصائي جديد أجرته قناة الجزيرة، يكشف عن تفاصيل مروعة ومستندات دامغة تربط بشكل مباشر نظام بشار الأسد بقرار استخدام هذه الأسلحة المحظورة، وذلك من خلال عملية اختراق واسعة النطاق لشبكات وشخصيات نافذة في النظام السابق. هذا الكشف يعيد فتح جروح الماضي ويثير تساؤلات حول المساءلة والعدالة.
كشف تفاصيل صادمة حول الأسلحة الكيميائية السورية
التحقيق الذي بثه برنامج “المتحري” تحت عنوان “تسريبات فلول الأسد.. الاختراق الكبير”، استند إلى آلاف الدقائق من التسجيلات الصوتية، والبيانات المسربة، والوثائق، وحسابات تم اختراقها. هذه المواد تكشف صورة متكاملة لشبكة معقدة عملت في الخفاء بهدف إعادة تنظيم نفسها سياسياً وعسكرياً ومالياً بعد عام واحد فقط من سقوط النظام. الهدف المعلن كان العودة إلى المشهد السياسي، ولكن الطرق التي استخدموها كانت مليئة بالتلاعب والخداع.
تنصت على مستشار الأسد الأمني: اعترافات دامغة
أحد أخطر جوانب التحقيق كان الكشف عن تنصت مباشر على هاتف اللواء بسام الحسن، المستشار الأمني لبشار الأسد، والشخصية الرئيسية المسؤولة عن ملف الأسلحة الكيميائية السورية في النظام السابق. الحسن، المتهم أيضاً في قضية الصحفي الأمريكي أوستن تايس، ورد في تسجيلات صوتية مسربة أنه أكد أن قرار استخدام الأسلحة الكيميائية صدر بشكل مباشر من الرئيس بشار الأسد.
ووفقاً للتسجيلات، وجّه الأسد الأمر إلى بديع علي، الذي قام بالتنسيق مع القوات الجوية، بالتعاون مع العميد غسان عباس، المسؤول عن وحدة الكيمياء، والذي توفي لاحقاً بسبب سكتة قلبية. هذه الإفادة تمثل نقطة تحول في فهم هذه القضية، حيث تربط رأس النظام بشكل مباشر بقرار استخدام هذه الأسلحة الفتاكة. التحقيق يضيف وزناً كبيراً للاتهامات الدولية الموجهة للنظام السوري.
صراعات داخلية وتحالفات مشبوهة بعد سقوط النظام
لم يقتصر التحقيق على ملف الأسلحة الكيميائية السورية فحسب، بل كشف أيضاً عن صراعات داخلية حادة بين رموز النظام السابق حول المال والنفوذ. تم توثيق مشادات كلامية بين أيمن جابر وسهيل الحسن في موسكو، مما يدل على الانقسامات العميقة التي كانت تعصف بالنظام حتى بعد سقوطه.
إعادة تشكيل القوات السرية والتحالفات الإقليمية
بالإضافة إلى ذلك، كشف التحقيق عن تحالفات ميدانية مع أطراف إيرانية وروسية، وجهود حثيثة لإعادة تشكيل قوات عسكرية سرية في الساحل السوري. هذه التحركات تشير إلى أن فلول النظام لم يستسلموا بسهولة، بل كانوا يسعون جاهدين لاستعادة قوتهم ونفوذهم، مستغلين الدعم الخارجي. الوضع الأمني في سوريا لا يزال معقداً ومتشابكاً، وهذه التسريبات تلقي الضوء على بعض الجوانب الخفية.
أساليب الاختراق المتقدمة ودور “موسى”
عملية الاختراق التي قادت إلى هذه التسريبات لم تكن مجرد عملية تقنية. بل شملت لقاءات مباشرة واستخدام أساليب متقدمة في الهندسة الاجتماعية والتقمص والاستدراج. الشخص الذي قاد هذه العملية، والذي يُدعى “موسى”، ادعى أنه كان مرافقاً شخصياً لبشار الأسد بين عامي 2008 و2012، قبل أن ينضم إلى جهود توثيق تحركات الفلول والتنسيق مع الحكومة الحالية. هذا يكشف عن مدى عمق الاختراق وقدرة الفريق الذي أجرى التحقيق على الوصول إلى مصادر معلومات حساسة.
تداعيات التحقيق ومطالبات دولية بالمساءلة
تحقيق “المتحري” يعيد فتح ملف الأسلحة الكيميائية السورية بوصفه أحد أخطر ملفات نظام الأسد. يسلط الضوء على آليات اتخاذ القرار، وسلسلة الأوامر، والمسؤوليات المباشرة، في وقت لا تزال فيه هذه الجرائم محل مطالبات دولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب. التحقيق يمثل إضافة هامة إلى الأدلة المتراكمة التي تدين النظام السوري بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
بالنظر إلى هذه الأدلة الجديدة، من الضروري أن تتجدد الجهود الدولية لضمان تحقيق العدالة للضحايا وتقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى المحكمة. كما يجب على المجتمع الدولي أن يواصل الضغط على النظام السوري للامتثال لالتزاماته الدولية فيما يتعلق بتدمير ما تبقى من ترسانته من الأسلحة الكيميائية السورية ومنع استخدامها في المستقبل. هذا التحقيق الاستقصائي يمثل خطوة مهمة نحو كشف الحقيقة وتحقيق المساءلة، ولكنه ليس سوى بداية الطريق. يجب على الجميع، من صحفيين وباحثين إلى منظمات حقوق إنسان وحكومات، أن يعملوا معاً لضمان عدم تكرار هذه الفظائع مرة أخرى.



