حصار قُصرة: عامان ونصف من المعاناة خلف البوابة الحديدية
منذ أكثر من عامين ونصف، يعيش سكان بلدة قُصرة جنوب نابلس في ظل واقع مؤلم، فرضته عليهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق البوابة الحديدية المقامة على المدخل الشرقي للبلدة. هذا الإجراء لم يحول قُصرة إلى مجرد جيب معزول فحسب، بل فرض عليها حصارًا خانقًا، وتزامن مع تصاعد الاعتداءات الاستيطانية وتشديد الإجراءات العسكرية، مما جعل الحياة اليومية رحلة شاقة لا تنتهي. هذه القضية، التي تتفاقم مع مرور الوقت، تستدعي تسليط الضوء على أبعادها الإنسانية والسياسية، وتأثيرها على حياة الفلسطينيين في قُصرة.
الموقع الاستراتيجي وتصاعد التوسع الاستيطاني
تقع البوابة المغلقة بالقرب من مستوطبة “مجداليم” المقامة على أراضي قُصرة، في منطقة تشهد توسعًا استيطانيًا متسارعًا منذ سنوات. هذا التوسع الاستيطاني يهدف إلى عزل قُصرة عن محيطها، وتقييد حركة سكانها، والسيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية. تحاصر قُصرة عدة مستوطنات وبؤر استيطانية، أبرزها “مجداليم” و”إيش كودش” والبؤر التابعة لها، والتي أقيمت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي، مما أدى إلى حرمان الأهالي من مصادر رزقهم.
تأثير البوابة على الحياة اليومية
البوابة المغلقة ليست مجرد عائق مادي، بل هي رمز للقمع والتقييد الذي يفرضه الاحتلال على الفلسطينيين. رئيس بلدية قُصرة، هاني عودة، يصف الوضع قائلاً إن البوابة تعد مدخلاً رئيسيًا يربط قُصرة بالعديد من القرى الفلسطينية ومدينة نابلس والأغوار وأريحا. إغلاق هذا المدخل يجبر السكان على سلوك طرق طويلة ومتهالكة، تزيد من الوقت والجهد اللازمين للوصول إلى وجهاتهم. “من خلال هذه البوابة نصل إلى الشارع الرئيسي خلال ثوانٍ، لكننا اليوم نجبر على المرور عبر عدة قرى، في طرق طويلة ومتهالكة، لنصل إلى نقطة لا تبعد عنا سوى أمتار”، يوضح عودة.
حصار شامل وتدهور الأوضاع الاقتصادية
لم يقتصر الأمر على إغلاق البوابة، بل تعداه إلى فرض حصار شامل على قُصرة. رئيس البلدية يشير إلى أن البلدة محاصرة من ثلاث جهات: من الشمال إغلاقات تصل حتى البيوت، ومن الشرق البوابة المغلقة، ومن الجنوب سيطرة استيطانية على الجبال والمراعي. هذا الحصار أدى إلى عزل حي سكني كامل عن البلدة، يضم ما بين 25 و30 منزلًا تسكنها عشرات العائلات، معظمهم من الأطفال وطلاب المدارس.
فقدان سبل العيش وتوقف التجارة
الإغلاق المستمر للبوابة أثر بشكل كبير على الأوضاع الاقتصادية في قُصرة. المحال التجارية القريبة من المدخل الشرقي توقفت عن العمل بعد فقدانها الحركة ومصادر الرزق. الأراضي الزراعية أصبحت محظورة على المزارعين، مما أدى إلى خسائر فادحة في المحاصيل. “أراضينا الزراعية صودرت فعليًا، ولا نستطيع الوصول إليها، نحن نعيش داخل سجن حقيقي”، يؤكد عودة. هذا الوضع الاقتصادي المتردي يزيد من معاناة السكان، ويهدد استقرارهم.
اعتداءات المستوطنين وتصاعد العنف
بالتزامن مع الحصار، يشهد قُصرة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين. المواطن ثائر عودة يصف كيف تحولت رحلة الخمس دقائق إلى أكثر من ساعتين بسبب إغلاق البوابة، مما يضطر السكان إلى استخدام طرق فرعية وعرة. ويضيف أن العائلات تواجه صعوبات كبيرة في إعادة أبنائها من المدارس، خوفًا من اعتداءات المستوطنين. هذه الاعتداءات تتراوح بين تجريف الأراضي، وإطلاق النار، والتهديد، مما يخلق جوًا من الخوف وعدم الأمان.
أصوات الأطفال: شهادات على الخوف والمعاناة
المعاناة في قُصرة لا تقتصر على الكبار، بل تمتد لتشمل الأطفال. الطالبة جنات فؤاد (11 عامًا) تقدم صورة مؤلمة عن الخوف وعدم الأمان الذي يعيشه الأطفال في قُصرة. “البوابة مغلقة منذ عامين ونصف، وكلما مررنا من المنطقة نتعرض لهجوم المستوطنين والجيش. حتى داخل المدرسة لم نعد بأمان”، تقول جنات. وتضيف أنها تعرضت هي وزملاؤها لهجوم بقنابل الغاز أثناء وجودهم في ساحة المدرسة. “أحلم أن أعيش كأي طفل في العالم، أن أذهب إلى مدرستي دون خوف، وأن تفتح البوابة وتزال الحواجز وينتهي الاحتلال“، تختتم جنات حديثها.
البوابات الحديدية: أداة للسيطرة وتقييد الحركة
البوابات الحديدية التي تنصبها قوات الاحتلال على مداخل القرى والبلدات الفلسطينية هي إحدى أبرز أدوات التحكم في حركة السكان. هذه البوابات تغلق ساعات طويلة أو أيامًا متواصلة دون إنذار مسبق، مما يقيد وصول المواطنين إلى أماكن عملهم ومدارسهم والمراكز الصحية. إنها تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، وتزيد من معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال. الحاجة ملحة لرفع هذه القيود، والسماح بحرية الحركة والتنقل لسكان قُصرة، وجميع الفلسطينيين. إن إنهاء هذا الحصار ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو خطوة ضرورية نحو تحقيق السلام العادل والشامل.
الخلاصة: دعوة للتحرك ورفع الظلم
إن الوضع في قُصرة يمثل نموذجًا مصغرًا للمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية. الحصار المستمر، والتوسع الاستيطاني، والاعتداءات المتكررة، كلها عوامل تساهم في تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وتقوض فرص تحقيق السلام. من الضروري تسليط الضوء على هذه القضية، والضغط على المجتمع الدولي لاتخاذ إجراءات فعالة لرفع الظلم عن سكان قُصرة، وجميع الفلسطينيين. شارك هذا المقال لزيادة الوعي حول هذا الوضع، ولنكن صوتًا للمظلومين.


