مع استمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، يلوح شبح خطر جديد يهدد صحة السكان، خاصة الأطفال: تفشي الأمراض التي تنقلها القوارض. فمع انتشار الفئران بشكل واسع في خيام النازحين، وبين أنقاض المنازل التي دمرتها الحرب الإسرائيلية، تتزايد المخاوف من تفشي مرض الليبتوسبيروزيس وأمراض أخرى بسبب تلوث المياه وانعدام النظافة. هذا الوضع يفاقمه منع إدخال مواد مكافحة القوارض بشكل كافٍ.
تصاعد خطر الليبتوسبيروزيس وأمراض القوارض في غزة
تشهد مناطق مختلفة في قطاع غزة انتشاراً ملحوظاً للقوارض، نتيجة للظروف المعيشية الصعبة التي فرضتها الحرب. الفئران تجد ملاذاً آمناً في الركام، وتقتحم خيام النازحين بحثاً عن الطعام، مما يزيد من خطر انتقال الأمراض. وقد بدأت تظهر أعراض مقلقة لدى الأطفال، تشبه أعراض الليبتوسبيروزيس – وهي عدوى بكتيرية تنتقل من الحيوانات، وخاصة القوارض، إلى الإنسان من خلال المياه الملوثة. تشمل هذه الأعراض ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وصداعاً شديداً، وآلاماً عضلية، وقشعريرة، وغثياناً، واحمراراً في العينين، وقد تتطور إلى اصفرار الجلد والعينين في الحالات الشديدة.
على الرغم من أن الفحوصات الأولية على العينات المرسلة من وزارة الصحة الفلسطينية لم تثبت بشكل قاطع الإصابة بـ الليبتوسبيروزيس، إلا أن التحذيرات تزداد من احتمالية تفشي الأمراض الخطيرة بسبب الانهيار البيئي الشامل الذي تشهده غزة.
أسباب تفشي القوارض: انهيار بيئي وقيود على المساعدات
يعزو خبراء البيئة والصحة تفشي القوارض في غزة إلى عدة عوامل متضافرة:
- كثرة الركام: الحرب خلّفت كميات هائلة من الأنقاض، تجاوزت 60 مليون طن، والتي توفر بيئة مثالية لتكاثر القوارض واختبائها.
- تلوث المياه: تعرض مصادر المياه للتلوث بسبب تدمير البنية التحتية، وخلطها بمياه الصرف الصحي، يزيد من خطر انتقال العدوى.
- غياب النظافة: انعدام خدمات جمع النفايات، وتراكم القمامة في الشوارع وبين الخيام، يجذب القوارض ويوفر لها الغذاء.
- الظروف الجوية: مع اشتداد برودة الطقس، يزداد حاجة القوارض إلى المأوى الدافئ، مما يدفعها إلى الاقتراب من مناطق تواجد السكان.
- منع إدخال مواد المكافحة: تواصل إسرائيل منع إدخال مواد مكافحة القوارض والآفات الأخرى إلى قطاع غزة، مما يعيق الجهود المبذولة للسيطرة على هذا الانتشار. هذه القيود تزيد من تفاقم الوضع الإنساني وتعرقل أي محاولة لتوفير بيئة صحية وآمنة للسكان.
أعراض مقلقة وتأثيرات صحية وخيمة
بالإضافة إلى الليبتوسبيروزيس، يخشى الأطباء من تفشي أمراض أخرى تنقلها القوارض، مثل داء البريميات (Leptospirosis) وداء سحايا العقدية (Streptococcal meningitis). يقول الدكتور رامي السلوت، استشاري أمراض الباطنية، إن البيئة في غزة، المليئة بالنفايات والمياه الملوثة، تعتبر أرضاً خصبة لنمو الأمراض الفيروسية والتهابات الرئة والجهاز الهضمي، بما في ذلك فيروسات الكبد الوبائي من نوع “أ”.
ويضيف السلوت أن الاكتظاظ في مخيمات النزوح، ودخول فصل الشتاء، يزيد من خطر انتقال العدوى بين النازحين، خاصة وأن العديد منهم يعانون من ضعف المناعة بسبب سوء التغذية والظروف المعيشية الصعبة. و يؤكد أن الحالات التي تتطور إلى التهابات رئوية أو سحايا الدماغ قد تحتاج إلى رعاية طبية مكثفة، بما في ذلك الأكسجين والمضادات الحيوية.
جهود محدودة ومخزون متناقص لمكافحة الآفات
يواجه العاملون في مجال الصحة والبيئة في غزة تحديات كبيرة في مكافحة انتشار القوارض. يشير سعيد العكلوك، الخبير البيئي والمسؤول عن رقابة المياه والصرف الصحي بوزارة الصحة، إلى أن قطاع غزة يفتقر إلى المختبرات المتخصصة المتقدمة للكشف عن الأمراض الجديدة بدقة، وأن الفحوصات المتوفرة تقتصر على التحاليل الأولية.
ويوضح العكلوك أن الجهات المحلية، بالتعاون مع برامج الأمم المتحدة، تحاول جاهدة إدخال مواد مكافحة الآفات، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل بسبب القيود الإسرائيلية. ويضيف أن مخزون مواد المكافحة داخل القطاع قد نفد بالكامل، بما في ذلك مبيدات الحشرات والبراغيث التي انتشرت بشكل واسع خلال فصل الصيف الماضي.
مخاطر كارثية وطعون صحية متزايدة
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى كارثة صحية شاملة في قطاع غزة، مع ارتفاع مخاطر الإصابة بالأوبئة والأمراض المعدية. ويصف رئيس بلدية بيت لاهيا، المهندس علاء العطار، الأوضاع في المدينة بأنها “مأساوية”، مشيراً إلى أن طواقم البلدية حذّرت من انتشار القوارض بشكل مخيف، بسبب كثرة الركام وطفح مياه الصرف الصحي.
المهندس العطار يشدد على أن حل المشكلة يتطلب توفيرًا فوريًا لمواد مكافحة القوارض، وتفعيل خدمات جمع النفايات، وتحسين البنية التحتية للمياه والصرف الصحي. كما يؤكد أن غياب هذه الإجراءات، بالإضافة إلى منع إدخال المساعدات الضرورية، يُشكّل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة، ويُعرقل أي جهود لتحسين الظروف المعيشية في غزة. مكافحة القوارض ليست مجرد إجراء صحي، بل هي ضرورة حتمية لإنقاذ حياة السكان وحماية مستقبلهم. إن الاستمرار في هذه القيود يعني استمرار المعاناة وزيادة الأخطار على صحة وسلامة أطفال وشعب غزة.


