في خضم فضيحة مدوية هزت أروقة التعليم الكاثوليكي في فرنسا، تتصاعد الدعوات لإغلاق مؤسسة “نوتر دام دو بيتارام” كحل نهائي لوضع حد لتداعيات عقود من العنف والاعتداءات الصادمة. هذه القضية، التي أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا، تتطلب بحثًا معمقًا في تفاصيلها وخلفياتها، وتأثيرها على مستقبل التعليم في فرنسا. وتُعد اعتداءات بيتارام نقطة تحول في التعامل مع قضايا العنف داخل المؤسسات التعليمية الدينية.
تفاصيل الفضيحة وتصاعد المطالبات بالإغلاق
كشفت صحيفة لوموند الفرنسية عن تصريحات لمسؤولين في هيئات إدارة التعليم الكاثوليكي، تؤكد أن بقاء المدرسة في إقليم بيارن بات مستحيلاً أخلاقياً وتربوياً، حتى مع استمرار الجدل حول آليات الإغلاق وجدوله الزمني. رئيس الاتحاد الوطني لهيئات إدارة التعليم الكاثوليكي، بيار فانسان غيريه، لم يتردد في وصف اسم بيتارام بأنه “لطخ سمعة التعليم الكاثوليكي بأكمله”، داعيًا إلى “إرساله إلى مزبلة التاريخ”.
ويرى غيريه أن الإغلاق يجب أن يتم بحلول الصيف، مع ضمان نقل جميع التلاميذ والمعلمين والموظفين إلى مؤسسات أخرى قريبة، خاصة في بلدية إيغون المجاورة، لتجنب أي خسائر بشرية أو مهنية. هذا الموقف القوي يعكس قناعة راسخة بأن المكان نفسه أصبح رمزًا للألم والمعاناة، وأنه من المستحيل بناء مشروع تربوي إيجابي على هذه الأرض الملوثة.
مقاومة الإغلاق من الرهبنة وموقف الكنيسة
على الرغم من الضغوط المتزايدة، أبدت رهبنة آباء بيتارام، التي كانت تدير المؤسسة، مقاومة لقرار الإغلاق. وأشارت إلى أن القرار “لم يُتخذ بعد” وأنه لا يزال قيد المباحثات، نظرًا لطبيعة الوصاية على المؤسسة التي تتطلب موافقة السلطات الدينية في روما.
الأمانة العامة للتعليم الكاثوليكي في فرنسا أكدت بدورها، حتى تاريخه، عدم وجود “أي حديث عن إغلاق المؤسسة”، نافية بذلك تصريحات رئيس الاتحاد الوطني. وأوضحت أنها تعمل “بشكل جماعي على تهيئة جميع الشروط اللازمة لإعادة الثقة والطمأنينة” إلى المؤسسة، مؤكدة أن هذا العمل يتطلب “وقتًا وحسن تقدير”.
شهادات صادمة تكشف عن حجم المأساة
الشهادات التي ظهرت للعلن كشفت عن ممارسات قاسية ومروعة تعرض لها تلاميذ سابقون في المدرسة. شملت هذه الممارسات الضرب المبرح، والتعذيب الجسدي والنفسي، والعقوبات المهينة، بالإضافة إلى اعتداءات جنسية وتحرشات استمرت لعقود.
أقرت الرهبنة في مارس 2025 بمسؤوليتها عن هذه الوقائع، بعد تلقي ما يقرب من 250 شكوى فردية، نصفها تقريبًا يتعلق باعتداءات ذات طابع جنسي. كما تعهدت بتعويض جميع الضحايا. وتشير الإحصائيات إلى أن ما لا يقل عن 217 شكوى تم إيداعها من قبل تلاميذ سابقين، تعود إلى فترة تمتد من خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن.
اتهامات تطال مسؤولين سابقين
لم تقتصر الفضيحة على المدرسة والرهبنة، بل امتدت لتطال مسؤولين سابقين في الحكومة الفرنسية. وجهت اتهامات لفرانسوا بايرو، وزير التعليم خلال فترة التسعينيات، بتجاهل الشكاوى الأولية التي وصلت من داخل المؤسسة.
جان ماري ديلبوس، أحد الضحايا، صرح بأنه تعرض للاغتصاب من قبل راهب في المدرسة بين عامي 1957 و1961، وأنه أرسل رسالة إلى بايرو في مارس 2024 دون أن يتلقى أي رد.
في فبراير 2025، نشر موقع “ميديا بارت” وثائق وشهادات تشير إلى “وقوع حالات اغتصاب وعنف جنسي” ضد الطلاب في المدرسة بين سبعينيات القرن الماضي و2010. على الرغم من نفي بايرو علمه بهذه الانتهاكات، إلا أن الموقع نشر وثائق جديدة تثبت علمه بالانتهاكات أثناء فترة توليه منصب وزير التعليم.
مستقبل التعليم الكاثوليكي في فرنسا
في ظل هذه الأزمة العميقة، يرى ممثلو الضحايا أن إغلاق مدرسة بيتارام لم يعد مجرد خيار، بل هو ضرورة أخلاقية لطي صفحة مؤلمة، وتحقيق العدالة للضحايا، ومنع تكرار هذه المأساة.
هذه القضية تثير تساؤلات جوهرية حول الرقابة والإشراف على المؤسسات التعليمية الدينية، وضرورة توفير بيئة آمنة ومحترمة لجميع التلاميذ. كما أنها تلقي الضوء على أهمية الاستماع إلى ضحايا العنف والاعتداء، وتقديم الدعم اللازم لهم.
من المتوقع أن يكون لهذه الفضيحة تأثير كبير على مستقبل التعليم الكاثوليكي في فرنسا، وأن تؤدي إلى إجراءات أكثر صرامة لضمان حماية الأطفال ومنع العنف والاعتداءات في المدارس. ويتطلب الأمر حوارًا وطنيًا شاملًا حول دور المؤسسات الدينية في التعليم، وكيفية تحقيق التوازن بين حرية المعتقد وحماية حقوق الأطفال.















