ليلة العيد تحولت إلى مأساة: تفاصيل إطلاق نار الاحتلال على شباب نابلس

في ليلة 31 ديسمبر 2025، لم تكن الاحتفالات بليلة رأس السنة هي السائدة في الضفة الغربية، بل حلّت مكانها صرخة ألم وذهول. بالنسبة للشبان قيس علان، وإبراهيم عياد، ومحمود عياد، ويزن القنبر، تحولت ليلة السهر المعتادة إلى نقطة تحول مأساوية، حين استهدفهم الاحتلال الإسرائيلي بوحشية قرب قريتي عوريف و عينابوس جنوب نابلس. هذه الحادثة المروعة، التي أودت بحياة قيس وأصابت أصدقائه بجروح خطيرة، تسلط الضوء على العنف الإسرائيلي المتصاعد في الأراضي الفلسطينية، وتثير تساؤلات حول المساءلة والعدالة.

تفاصيل الليلة المشؤومة

كان الشبان الأربعة في طريقهم لقضاء ليلة رأس السنة في منزل صديقهم قيس، بعد شراء بعض المكسرات والمشروبات. لم يكن يفصلهم عن وجهتهم سوى بضع مئات من الأمتار، عندما بدأت الأحداث تتكشف. يقول إبراهيم عياد (18 عامًا) في حديثه للجزيرة نت: “سمعنا أن جيش الاحتلال اقتحم البلدة، فأردنا أن نسبقهم ونصل إلى منزل قيس حيث اعتدنا الاجتماع كل أسبوع، حتى لا نحاصَر، لكننا فوجئنا بجنود الاحتلال الذين كانوا يسيرون مشيا على الأقدام يظهرون أمامنا وجها لوجه دون أي سابق إنذار أو مطاردة”.

لحظة الاستهداف المباشر

وصف إبراهيم اللحظات التي تلت ذلك بأنها مرعبة. قام الجنود بتسليط أضواء الليزر على السيارة والصراخ، مما أدى إلى ذعر السائق قيس. في حالة من الارتباك الشديد، ضغط قيس على دواسة الوقود بدلاً من المكابح، مما أثار رد فعل عنيفًا من قبل الجنود. بدأ الجنود بإطلاق النار بكثافة هائلة، وتشير التقديرات إلى ما بين 100 و 150 رصاصة.

“كان الاستهداف مباشرا،” يؤكد إبراهيم، “مما يثبت نية القتل المبيتة، إذ لم يتم استهداف الإطارات بل الركاب مباشرة”. بعد اصطدام السيارة بعمود، لم تتوقف الوحشية، بل طوق الجنود المركبة واستمروا في إطلاق النار عليها من جميع الجهات، دون منح الشبان أي فرصة للنجاة.

شهيد ورفاق مصابون

قيس علان (20 عامًا) استشهد على الفور إثر إصابته برصاصة قاتلة في الرأس. يصف إبراهيم تلك اللحظة بأسى بالغ: “كان يأكل الفستق، واستشهد والحبة لا تزال في فمه”. أصيب محمود ويزن بجروح متفاوتة، لكن إبراهيم كان الأكثر تضررًا. اخترقت جسده عدة رصاصات، واحدة في الكوع، وأخرى في الكاحل، وثالثة خطيرة دخلت من ظهره وخرجت من بطنه.

والد إبراهيم، زياد عياد، أوضح أن نوع الرصاص المستخدم كان متفجرًا (الدمدم)، مما أحدث دمارًا كبيرًا في أحشاء ابنه. اضطر الأطباء لاستئصال 40 سنتيمترًا من أمعائه وتركيب مخرج جانبي للإخراج، وسيحتاج إلى عدة أشهر من العلاج والتعافي قبل محاولة إعادة الوضع إلى طبيعته. هذه الإصابات الخطيرة تبرز بشاعة الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين.

عنف مفرط بعد إطلاق النار

لم تتوقف المأساة عند إطلاق النار. اندلعت النيران في المركبة نتيجة الرصاص، وحاول الجنود ترك الشهيد قيس ليحترق داخلها، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة. تمكن محمود من فتح باب السيارة المتضرر بصعوبة وسحب يزن وإبراهيم من المقعد الخلفي قبل أن تشتعل النيران بالكامل.

لكن الوحشية لم تنتهِ هنا. يؤكد إبراهيم أن الجنود تعاملوا مع الجرحى بعنف مفرط بعد إخراجهم من السيارة، حيث سحبوهم وانهالوا عليهم بالضرب بأعقاب البنادق والركل بالأحذية العسكرية على رؤوسهم وأجسادهم ومواضع إصاباتهم. ويضيف: “وضع أحد الجنود حذاءه العسكري على رقبتي محاولا خنقي، وكنت أحاول دفعه عني مرتين بدافع غريزة البقاء، ليقابلني بمزيد من الضرب”. كما منع الجنود طواقم الإسعاف من الاقتراب لمدة 20 دقيقة، تاركين الجرحى ينزفون على الأرض.

تصاعد العنف الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان

أكد عمار الدويك، المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أن الاحتلال الإسرائيلي لا يحترم حقوق الإنسان الفلسطيني، وأن الفلسطينيين مجردون من أي حقوق تحت الاحتلال. وأضاف أن الجندي الإسرائيلي، أو حتى المستوطن، أصبح بإمكانه إزهاق روح أي فلسطيني دون خوف من المساءلة.

وأشار الدويك إلى أن سلوك جيش الاحتلال في الضفة الغربية اتخذ منحى أكثر عدوانية وشراسة عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، مع تعديلات على تعليمات وقواعد إطلاق النار التي حولت القتل إلى إجراء روتيني. منذ ذلك الحين، قُتل أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، دون فتح تحقيق جدي في أي من هذه الحالات. هذا التصعيد في العدوان الإسرائيلي يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

تداعيات نفسية وصمت دولي

بالإضافة إلى الإصابات الجسدية الخطيرة، يعاني الناجون من صدمة نفسية عميقة. أوضح والد إبراهيم أن حالة محمود النفسية صعبة جدًا وتستدعي تدخلًا طبيًا بسبب هول ما شاهدوه. كما كشف محمود عن خوفه من تكرار إصابته بنزيف في الدماغ، بعد تعرضه للضرب على الرأس.

الحدث يترك جرحًا غائراً في نفوس العائلة والأصدقاء، ويؤكد على ضرورة توفير الدعم النفسي للضحايا. في النهاية، تظل هذه الحادثة المأساوية تذكيراً مؤلماً بالواقع المرير الذي يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت الاحتلال، وغياب المساءلة والعدالة. وهي كذلك دعوة للمجتمع الدولي للتحرك الفوري لوقف هذا العنف المتصاعد وتقديم الحماية للشعب الفلسطيني.

شاركها.
اترك تعليقاً