يشهد ملف السجون في مناطق شمال سوريا وشرقها تطورات متسارعة وحساسة للغاية، مع تنفيذ اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذه التطورات تثير تساؤلات حول مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة، وتلقي بظلالها على الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب، خاصةً تنظيم الدولة. يمثل هذا الاتفاق نقطة تحول محتملة في المشهد السوري المعقد، ويهدف بشكل أساسي إلى استعادة الدولة السورية سيطرتها على هذه المناطق الحيوية.
تطورات الاتفاق ومحاولات عرقلته
تؤكد دمشق أن استعادة السيطرة على السجون السورية تمثل أولوية قصوى في سياق مكافحة تنظيم الدولة ومنع أي انتكاسات أمنية. ومع ذلك، تواجه عملية التنفيذ تحديات وعقبات، تتراوح بين التوترات الميدانية وتبادل الاتهامات. وتشمل السجون المعنية “الشدادي” و”غويران” في الحسكة، و”الأقطان” شمال الرقة.
وبحسب مراسل الجزيرة، عمرو حلبي، فإن الأوضاع الميدانية تسير بشكل عام نحو الأفضل، مع وجود بعض بؤر التوتر التي تعمل الحكومة السورية على معالجتها. وتصف هيئة العمليات في الجيش السوري هذه البؤر بأنها مجموعات “مستعصية” تسعى لعرقلة الاتفاق.
أزمة سجن الشدادي وتصعيد التوترات
تعتبر قضية سجن الشدادي هي الأكثر إثارة للجدل حتى الآن. فقد أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري استعدادها لتسلّم السجن وتأمينه بعد هروب عدد من السجناء التابعين لتنظيم الدولة منه. لكن قيادة قسد رفضت هذا الطلب، مما دفع الجيش السوري لتحميلها المسؤولية عن أي تداعيات مستقبلية.
وقد أعلنت قسد أن سجن الشدادي خرج عن السيطرة نتيجة هجوم من فصائل تابعة للجيش السوري، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه الفصائل ودورها في المشهد. ويضم سجن الشدادي عددًا كبيرًا من المقاتلين الأجانب في صفوف تنظيم الدولة، بينهم مواطنون أمريكيون، مما يزيد من حساسية الملف وتعقيده.
بالإضافة إلى ذلك، انتقدت قسد التحالف الدولي والقوات الأمريكية، مشيرة إلى وجود قاعدة أمريكية قريبة من السجن دون تدخل منها. هذا النقد يعكس حالة من الإحباط لدى قسد، ويطرح تساؤلات حول دور التحالف في دعم الاستقرار في المنطقة.
مخيم الهول ومخاوف من عودة الإرهاب
بالتزامن مع تطورات ملف السجون، تشهد منطقة مخيم الهول جنوب الحسكة محاولات لفرار النساء المنتميات إلى تنظيم الدولة. وقد تمكنت قوات “الأسايش” من إحباط هذه المحاولات، لكنها تؤكد على استمرار التحديات الأمنية في المخيم.
يضم مخيم الهول حوالي 33 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال المرتبطين بعائلات أفراد التنظيم، من جنسيات مختلفة. هذا العدد الكبير يشكل عبئًا أمنيًا ولوجستيًا كبيرًا، ويثير مخاوف من احتمال عودة هؤلاء الأشخاص إلى صفوف التنظيم أو التورط في أنشطة إرهابية.
تطويق سجن الأقطان واللقاء المرتقب بين الشرع وعبدي
في شمال الرقة، سيطر الجيش السوري على الفرقة 17، ثم انتقل إلى تطويق سجن الأقطان. وبدأت عمليات تفاوض بين الطرفين حول إخراج مقاتلين وقياديين من قسد المتواجدين داخل السجن ونقلهم إلى الحسكة.
وفي دمشق، من المقرر أن يلتقي قائد قسد، مظلوم عبدي، بالرئيس السوري أحمد الشرع لبحث تفاصيل تطبيق الاتفاق. ووفقًا لمصادر في وزارة الخارجية السورية، فإن ملف السجون في سوريا سيكون على رأس جدول الأعمال، إلى جانب بحث آليات تسليم هذه الملفات إلى الدولة السورية دون أي ارتدادات أمنية.
التحديات المستقبلية والآفاق الممكنة
على الرغم من التفاؤل الحذر الذي تبديه الحكومة السورية بشأن سير المفاوضات، إلا أن المشهد الميداني لا يزال غير مستقر بالكامل. هناك مجموعات تتهمها دمشق بالارتباط بحزب العمال الكردستاني، وتسعى لعرقلة الاتفاق من خلال الاحتكاك بالجيش السوري وإحداث اشتباكات.
إن نجاح هذا الاتفاق يعتمد على قدرة الطرفين على التغلب على هذه التحديات، والالتزام الكامل ببنوده. كما يتطلب الأمر تعاونًا دوليًا فعالًا لمكافحة الإرهاب ومنع أي انتكاسات أمنية. إن مستقبل الوضع الأمني في سوريا مرتبط بشكل وثيق بتطورات هذا الملف، وقدرة الدولة السورية على استعادة سيطرتها على مناطق الشمال والشرق.
بالإضافة إلى ذلك، يجب معالجة ملف مخيم الهول بشكل عاجل، من خلال توفير الدعم الإنساني والأمني اللازمين، وإيجاد حلول مستدامة لمستقبل هؤلاء النساء والأطفال. إن تجاهل هذا الملف قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الأمنية في المنطقة، وتهديد الاستقرار الإقليمي.
هذا الاتفاق يمثل فرصة تاريخية لتحقيق الاستقرار في سوريا، لكنه يتطلب جهودًا مضاعفة وحكمة سياسية من جميع الأطراف المعنية. من الضروري أن يتم التعامل مع هذا الملف بشفافية ومسؤولية، وأن يتم إعطاء الأولوية لمصالح الشعب السوري وأمنه.


