في قلب الضفة الغربية، أمام حاجز قلنديا شمال القدس المحتلة، تجسدت مأساة فلسطينية مؤلمة في أول جمعة من شهر رمضان. عشرات النساء الفلسطينيات، وأطفالهن وكبار السن، تجمعن محاولين عبور الحاجز للوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، لكنهن واجهن منعاً وقمعاً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. هذه الأحداث المؤلمة تلقي الضوء على القيود المتزايدة التي تفرضها إسرائيل على حرية العبادة للفلسطينيين، خاصة خلال شهر رمضان.
قيود الاحتلال على الوصول إلى المسجد الأقصى في رمضان
لم يكن الوصول إلى المسجد الأقصى سهلاً هذا العام. على الرغم من تصريح حكومة الاحتلال بالسماح لـ 10 آلاف مواطن من الضفة الغربية بالصلاة في الأقصى خلال أيام الجمع من شهر رمضان، إلا أن الواقع على الأرض كان مختلفاً تماماً. الشروط الصارمة، والتصاريح الأمنية، والتدقيق المكثف في الهويات، كلها عوامل ساهمت في منع الآلاف من المصلين من أداء صلاة الجمعة الأولى في المسجد الأقصى.
قصة الحاجة نوال.. رمز الألم والمعاناة
الحاجة نوال المزرعاوي (70 عاماً) من مدينة نابلس، كانت واحدة من بين العديد من الفلسطينيين الذين مُنعوا من دخول القدس. قطعت زيارتها إلى الأردن قبل يومين، متوقعة أن تكون في المسجد الأقصى في أول جمعة من رمضان، لكنها وجدت نفسها أمام الحاجز، تذرف الدموع حزناً. “كانت أمنيتي الصلاة بالأقصى، فلعلها تكون المرة الأخيرة لي”، قالت وهي تبكي، متسائلة: “كيف تكون الذريعة أمنية؟ بماذا أهدد أمنهم في عمري هذا؟”. قصتها تجسد الألم والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في محاولتهم الوصول إلى أقدس مقدساتهم.
منع وقمع المصلين وتوثيق الاحتلال
لم يقتصر الأمر على منع المصلين، بل امتد ليشمل القمع والاعتداء. عشرات المواطنين، غالبيتهم من كبار السن والأطفال، تعرضوا للمنع من عبور الحاجز. بالإضافة إلى ذلك، اعتدى جنود الاحتلال على مسعفين كانوا يحاولون مساعدة كبار السن والنساء، واحتجزوا عدداً منهم وأجبروهم على خلع زيهم الخاص. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصل إلى درجة توثيق عمليات المنع بمقاطع مصورة من قبل 5 من كبار قادة الجيش الإسرائيلي، بينهم الناطقة باسمه، في محاولة لتبرير أفعالهم.
تطور القيود على دخول المصلين إلى الأقصى
القيود على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى ليست جديدة، بل هي تتصاعد بشكل ملحوظ منذ 7 أكتوبر 2023. قبل ذلك التاريخ، لم يكن هناك تحديد لعدد المصلين، ولكن كانت هناك شروط للسماح بدخول الراغبين بالصلاة، خاصة في أيام الجمعة من رمضان.
ما بعد طوفان الأقصى: تقييد صارم للحركة
بعد عملية طوفان الأقصى، بات العدد مقتصراً على 10 آلاف مصل من الضفة الغربية، ولكن في الواقع، لم يتمكن سوى 6 آلاف مصل من الدخول بسبب إعاقات الاحتلال والحواجز العسكرية. الدخول يتطلب الحصول على تصريح دخول ليوم الجمعة فقط، بالإضافة إلى “بطاقة ممغنطة” تحمل بيانات الفلسطينيين، وهي ضرورية للمرور عبر الحواجز والمعابر.
أرقام متناقصة للمصلين في السنوات الأخيرة
تشير الإحصائيات إلى انخفاض ملحوظ في عدد المصلين في السنوات الأخيرة. ففي عام 2023، وصل عدد المصلين في الجمعة الأخيرة من رمضان إلى 90 ألفاً فقط، بينما انخفض إلى 60 ألفاً في عام 2024. في المقابل، كانت أعداد المصلين في أيام الجمعة من رمضان قبل طوفان الأقصى تصل إلى قرابة 400 ألف مصل، خاصة في العشر الأواخر من الشهر. هذا الانخفاض يعكس بشكل واضح القيود المتزايدة التي تفرضها إسرائيل على حرية الحركة والعبادة للفلسطينيين.
طرق بديلة ومخاطر متزايدة
مع صعوبة الحصول على التصاريح، لجأ الآلاف من المصلين إلى طرق بديلة، مثل القفز عن جدار الفصل العنصري في قلنديا للوصول إلى القدس. ولكن هذه الطريقة أصبحت مستحيلة بعد 7 أكتوبر، حيث صار الجنود يطلقون الرصاص الحي تجاه من يحاول اجتياز الجدار بهذا الشكل. هذا يشكل خطراً حقيقياً على حياة الفلسطينيين الذين يسعون إلى أداء فريضتهم الدينية.
حاجز قلنديا.. رمز للقيود والظلم
حاجز قلنديا ليس مجرد نقطة عسكرية، بل هو رمز للقيود والظلم الذي يعاني منه الفلسطينيون. إنه يمثل عائقاً أمام حرية الحركة والعبادة، ويؤثر بشكل كبير على حياتهم اليومية. القصص المؤلمة التي تتكرر أمام هذا الحاجز، مثل قصة الحاجة نوال، تذكرنا بالمعاناة المستمرة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الاحتلال.
في الختام، الوضع في حاجز قلنديا وفي القدس بشكل عام، يثير قلقاً بالغاً. القيود المتزايدة على حرية العبادة، والقمع الممنهج للمصلين، كلها عوامل تؤدي إلى تصعيد التوتر وتعميق الأزمة. من الضروري الضغط على المجتمع الدولي للتدخل وحماية حقوق الفلسطينيين، وضمان حرية وصولهم إلى المسجد الأقصى المبارك. نأمل أن يشهد شهر رمضان القادم تخفيفاً لهذه القيود، وأن يتمكن جميع الفلسطينيين من أداء صلواتهم في المسجد الأقصى بحرية وكرامة.















