في لحظة سياسية وأمنية دقيقة يشهدها لبنان، أعلن الجيش اللبناني عن إنجاز المرحلة الأولى من خطته الطموحة لحصر السلاح بيد الدولة، وتحديداً في منطقة جنوب نهر الليطاني. هذه المنطقة، التي لطالما كانت نقطة اشتعال وتوتر في العلاقة المعقدة بين لبنان وإسرائيل، تشكل محوراً أساسياً في أي محاولة لتحقيق الاستقرار. يأتي هذا الإعلان قبل انعقاد جلسة لمجلس الوزراء، حيث من المتوقع أن يتم عرض تفاصيل الخطة ومستقبلها، مما يضع لبنان أمام تحديات وفرص جديدة. هذه الخطوة، وإن كانت تعتبر إيجابية من قبل العديد من الأطراف، تثير تساؤلات حول جدواها الحقيقية وقدرة الجيش على تنفيذها بشكل كامل في ظل الظروف الراهنة.

حصر السلاح في الجنوب: إنجاز المرحلة الأولى

أكد الجيش اللبناني في بيان رسمي أنه بسط سيطرته العملياتية على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى الحدود مع فلسطين المحتلة، باستثناء المواقع التي لا تزال تحت سيطرة القوات الإسرائيلية. وتشمل هذه السيطرة معالجة الذخائر غير المنفجرة وتفكيك شبكات الأنفاق، بهدف منع أي محاولة لإعادة بناء قدرات عسكرية خارجة عن إطار الدولة الشرعية. وأشار البيان إلى أن المرحلة الأولى من الخطة قد حققت أهدافها الأساسية، وسيتم إجراء تقييم شامل لتحديد الخطوات التالية.

تفاصيل الانتشار العسكري

الخطة العسكرية، كما يوضح المراقبون، ركزت على الانتشار على طول الحدود اللبنانية، وهو جوهر القرار الأممي رقم 1701. وترافق ذلك مع عمليات دقيقة لمصادرة مخازن الأسلحة وتفكيك الأنفاق والمواقع العسكرية غير القانونية. وتشير بعض التقارير إلى وجود تنسيق محدود مع حزب الله في بعض المواقع، نظراً لتعقيد التضاريس ووجود مواقع مخفية. ورغم أن عدد القوات المنتشرة لا يزال أقل من المطلوب (حوالي 8-9 آلاف عنصر بدلاً من 10 ألوية)، إلا أن الجيش يؤكد على قدرته على الحفاظ على هذا الانتشار.

دعم سياسي وتحديات أمامية

حظي إعلان الجيش بدعم واسع من مختلف القوى السياسية اللبنانية. الرئيس اللبناني جوزيف عون اعتبر أن انتشار الجيش في الجنوب يستند إلى قرار وطني جامع، مؤكداً على أن تمكين الدولة من ممارسة سلطتها الكاملة يتطلب وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين. من جانبه، أشار رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى أن الإنجاز الذي حققه الجيش كان يمكن أن يكون أكبر لولا استمرار الاحتلال الإسرائيلي والانتهاكات المتكررة، بالإضافة إلى العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام عمل المؤسسة العسكرية. ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام أكد على أهمية دعم الجيش اللوجستي والمادي لتمكينه من إكمال المرحلة الثانية من الخطة.

المرحلة الثانية: حصر السلاح شمال الليطاني

بعد إنجاز المرحلة الأولى، كلّفت الحكومة الجيش اللبناني بإعداد خطة مماثلة لحصر السلاح شمال نهر الليطاني. ومن المتوقع أن يتم عرض هذه الخطة على مجلس الوزراء خلال الشهر المقبل. وتشير المعلومات إلى أن الجيش بدأ بالفعل بتنفيذ مهام “احتواء” في المنطقة، تركز على منع نقل الأسلحة. هذه المرحلة تعتبر أكثر حساسية وتعقيداً من المرحلة الأولى، نظراً للتحديات السياسية والأمنية المتزايدة.

الموقف الإسرائيلي والتقييمات الخارجية

لم يكن الموقف الإسرائيلي متحمساً لإعلان الجيش اللبناني. فمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شكك في الرواية اللبنانية، مؤكداً أن حزب الله لا يزال موجوداً في جنوب الليطاني ويسعى لتعزيز قدراته. واعتبر الموقف الإسرائيلي أن ما تم إنجازه حتى الآن لا يمثل سوى “بداية غير كافية”، وأن اتفاق وقف إطلاق النار يتطلب نزع سلاح الحزب بشكل كامل.

تقييمات الخبراء العسكريين

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد علي أبي رعد أن بيان الجيش اللبناني جاء كإجراء استباقي لمواجهة أي رواية قد يصدرها الاحتلال الإسرائيلي. ويؤكد أن الجيش نفذ جميع المهام المطلوبة منه التزاماً بالقرار الدولي 1701. ويشير إلى أن الإشكالية الرئيسية تكمن في استمرار الاحتلال الإسرائيلي بالتمركز في نقاط عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وإقامة تحصينات على تلال حاكمة، مما يدل على عدم وجود نية للانسحاب. ويضيف أن المناورات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تؤكد على هذا التوجه، حيث تهدف إلى إقامة مراكز دفاع أمامية داخل الأراضي اللبنانية لحماية المستوطنات الشمالية.

مستقبل خطة حصر السلاح

إن إعلان الجيش اللبناني عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز سلطة الدولة واستعادة الاستقرار في لبنان. حصر السلاح بيد الدولة هو هدف وطني يواجه تحديات كبيرة، تتطلب جهوداً متواصلة ودعماً سياسياً وأمنياً من جميع الأطراف. النجاح في تنفيذ هذه الخطة يتوقف على قدرة الجيش على الاستمرار في ظل نقص الدعم والضغوط المتزايدة، بالإضافة إلى إيجاد حلول للتحديات السياسية والأمنية التي تواجهه. الوضع الأمني في جنوب الليطاني لا يزال هشاً، ويتطلب يقظة مستمرة لمنع أي محاولة لتقويض الاستقرار. القرار الدولي 1701 يظل الإطار القانوني الذي يجب الالتزام به، ويتطلب من إسرائيل الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان.

الخلاصة، إن خطة حصر السلاح في لبنان تمثل تحدياً استراتيجياً يتطلب رؤية شاملة وتعاوناً وطنياً. فالنجاح في تحقيق هذا الهدف سيساهم في بناء لبنان القوي والمستقر الذي يستحقه شعبه. ندعو الجميع إلى دعم الجيش اللبناني وتمكينه من أداء مهامه على أكمل وجه، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في لبنان.

شاركها.
اترك تعليقاً