العالم على مفترق طرق: هل نحن أمام نهاية “السلام الطويل”؟

يشهد العالم اليوم فترة استثنائية من الهدوء النسبي بين القوى الكبرى، تمتد لعقود ثمانية، وهي الأطول منذ عهد الإمبراطورية الرومانية. لكن هذا الهدوء، كما يوضح مقال نشرته مجلة فورين أفيرز في أواخر نوفمبر 2025 بقلم غراهام أليسون وجيمس أ. وينفيلد الابن، ليس أمرًا مفروغًا منه، بل هو نتيجة جهود استراتيجية واعية، ويواجه الآن ضغوطًا متزايدة. فهل نشهد حقًا نهاية هذا “السلام الطويل”؟ هذا ما سنستكشفه في هذا المقال.

هندسة السلام: كيف تجنبنا الحرب العالمية الثالثة؟

لم يكن غياب الحرب بين القوى العظمى منذ عام 1945 محض صدفة أو حظًا سعيدًا. بل كان نتيجة مباشرة لـ هندسة السلام التي قام بها مهندسو النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أدرك القادة، خاصة الأمريكيين، أن الحربين العالميتين كانتا مدمرتين للغاية لدرجة أنهما استدعيتا إلى إعادة التفكير في كيفية تنظيم العالم لتجنب تكرار هذه الكارثة.

لقد كانت التجربة المريرة للحرب العالمية الثانية بمثابة نقطة تحول، دفعت إلى بناء نظام دولي يرتكز على عدة أسس، أهمها: الردع النووي، وإنشاء مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة، وتعزيز التعاون الاقتصادي. هذه الجهود لم تكن سهلة، لكنها أثمرت عن فترة من الاستقرار النسبي لم يشهدها العالم منذ قرون.

ثلاثة أرقام تحكي قصة نجاح

يستعرض المقال ثلاثة أرقام رئيسية تجسد نجاح هذا النظام: 80 و80 و9. 80 عامًا مرت على آخر حرب مباشرة بين القوى العظمى، مما سمح بزيادة عدد سكان العالم ثلاث مرات، وارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى الضعف، ونمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي 15 ضعفًا. 80 عامًا أيضًا مرت على آخر استخدام للأسلحة النووية، مع تجنب العالم للعديد من اللحظات الخطيرة التي كادت تؤدي إلى كارثة نووية، مثل أزمة الصواريخ الكوبية. أما الرقم 9 فيمثل عدد الدول التي تمتلك ترسانة نووية حتى اليوم.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي دليل على أن النظام الدولي القائم، على الرغم من عيوبه، قد نجح في تحقيق هدف رئيسي وهو منع حرب عالمية ثالثة مدمرة. لكن هذا النجاح لا يعني أن الوضع الحالي مستقر أو مضمون.

التحديات المتزايدة: عوامل تهدد “السلام الطويل”

يشير أليسون ووينفيلد إلى خمسة عوامل رئيسية تهدد هذا الاستثناء التاريخي. أولاً، النسيان. الأجيال الجديدة لا تتذكر أهوال الحرب، مما يجعلها أقل تقديرًا لأهمية السلام. ثانيًا، صعود قوى منافسة، وعلى رأسها الصين، التي تتحدى الهيمنة الأمريكية. ثالثًا، التقارب الاقتصادي العالمي، الذي يقلل من التفوق الاقتصادي الأمريكي ويخلق عالمًا متعدد الأقطاب. رابعًا، التمدد العسكري الأمريكي في صراعات لا تخدم مصالحها الحيوية. وأخيرًا، الانقسامات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، التي تعيق قدرتها على التصرف بشكل متماسك على الساحة العالمية.

هذه العوامل تتفاعل مع بعضها البعض، مما يخلق بيئة دولية أكثر تعقيدًا وخطورة. فصعود الصين، على سبيل المثال، يدفع الولايات المتحدة إلى زيادة إنفاقها العسكري، مما يزيد من خطر التصعيد. وفي الوقت نفسه، فإن الانقسامات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة تجعل من الصعب عليها بناء تحالفات قوية لمواجهة التحديات الخارجية.

الخط الأحمر النووي: هشاشة متزايدة

أحد أهم المخاوف التي يثيرها المقال هو هشاشة “الخط الأحمر النووي”، وهو العرف العالمي غير المعلن الذي يمنع استخدام الأسلحة النووية. فقد أشار المقال إلى تهديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستخدام أسلحة نووية تكتيكية خلال الحرب في أوكرانيا، وكيف قدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) احتمالية توجيه ضربة نووية روسية بنسبة 50% في حالة تقدم القوات الأوكرانية.

هذا التهديد، بالإضافة إلى التجارب النووية المستمرة من قبل كوريا الشمالية، يذكرنا بأن خطر الحرب النووية لا يزال قائمًا. وإذا تمكن بوتين من تحقيق أهدافه في أوكرانيا باستخدام سلاح نووي تكتيكي، فمن المرجح أن تسعى دول أخرى إلى امتلاك أسلحة نووية خاصة بها، مما يزيد من خطر الانتشار النووي.

هل يمكننا إعادة هندسة السلام؟

يختتم المقال بالتأكيد على أن الحفاظ على “السلام الطويل” يتطلب قدرًا مماثلاً من الخيال الاستراتيجي والإرادة السياسية التي استخدمت في بنائه. يجب على القادة الأمريكيين أن يدركوا أن العالم قد تغير، وأنهم بحاجة إلى تطوير استراتيجيات جديدة لمواجهة التحديات الجديدة. يجب عليهم أيضًا أن يتعاونوا مع القوى الأخرى، بما في ذلك الصين وروسيا، لإيجاد حلول مشتركة للمشاكل العالمية.

إن مهمة إعادة هندسة السلام ليست سهلة، لكنها ضرورية. فإذا فشلنا في ذلك، فإننا نخاطر بانزلاق العالم إلى منطق التصعيد الذي قد يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، وهي حرب قد تكون أكثر تدميراً من أي شيء شهده العالم من قبل. السؤال المطروح الآن هو: هل لدينا الحكمة والشجاعة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنب هذه الكارثة؟

شاركها.
اترك تعليقاً