في تطور دراماتيكي، كشف اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد قوات أمريكية خاصة عن نهاية مأساوية لمشروع طموح كانت روسيا تراه بوابة نفوذ لها في قلب أمريكا اللاتينية. هذه الحادثة، التي تتصدر عناوين الأخبار حاليًا، تمثل ضربة قاسية لموسكو وفشلًا ذريعًا لاستثماراتها وعلاقاتها التي استمرت لعقود في فنزويلا. هذه المقالة تتناول تفاصيل هذا المشروع، أسباب انهياره، وكيف أثرت الأزمات اللاحقة، وعلى رأسها حرب أوكرانيا، على قدرة روسيا على دعم حلفائها في الخارج.

فشل الرهان الروسي في فنزويلا: تحليل معمق

بدأت العلاقة الوثيقة بين روسيا وفنزويلا في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز مطلع الألفية الجديدة. رأت روسيا في فنزويلا، الغنية بالنفط، فرصة ذهبية لاختراق النفوذ الأمريكي التقليدي في المنطقة. لم يكن الأمر مجرد تحالف سياسي، بل ترجم إلى تعاون عسكري واسع النطاق واستثمارات نفطية ضخمة قادتها شركة “روسنفت” الروسية، بقيادة إيغور سيتشين، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الاستثمارات النفطية: واجهة سياسية لأهداف أبعد

كان المشروع النفطي الروسي في فنزويلا يهدف إلى أكثر من مجرد تحقيق أرباح. وفقًا لتقارير صحفية، كان هذا الاستثمار في جوهره سياسيًا محضًا. على الرغم من ضخ الأموال، كانت تكلفة استخراج النفط الفنزويلي باهظة جدًا. والأكثر إزعاجًا لموسكو، أن الحكومة الفنزويلية لم تستخدم العائدات لتطوير حقول النفط، بل أنفقتها في مجالات أخرى، مما أدى إلى تدهور البنية التحتية النفطية بشكل ملحوظ. هذا الفشل في تحقيق العائد المتوقع على الاستثمار ألقى بظلاله على مستقبل التعاون.

دور تشافيز الشخصي في تعزيز العلاقة

كان هوغو تشافيز حجر الزاوية في هذه العلاقة الاستراتيجية. جمعته علاقة شخصية وثيقة بإيغور سيتشين، مما ساهم في تسهيل العديد من الصفقات والاتفاقيات. ولكن مع وفاة تشافيز عام 2013، بدأت الأمور تتغير. نيكولاس مادورو، الذي خلف تشافيز، لم يكن يتمتع بنفس الكاريزما أو السلطة المطلقة، وحكم من خلال نخبة سياسية وأمنية متصدعة. هذا الوضع الجديد صعب على الروس إدارة نفوذهم في البلاد.

العقوبات والتدهور الاقتصادي: الضربة القاضية

مع فرض العقوبات الأمريكية على فنزويلا وتزايد أزمتها الاقتصادية، بدأت روسيا في الانسحاب التدريجي من البلاد. في عام 2020، باعت “روسنفت” أصولها في فنزويلا في صفقة غامضة، اعتبرها الكثيرون اعترافًا ضمنيًا بفشل المشروع. فعجز فنزويلا عن سداد ديونها وتدهور أوضاعها المعيشية، بالإضافة إلى تفشي الفساد والجريمة، جعل الاستمرار في دعم النظام الفنزويلي أمرًا مكلفًا للغاية.

دور فاغنر في دعم نظام مادورو

حاولت روسيا دعم نظام مادورو خلال ذروة الاحتجاجات الشعبية عام 2019، من خلال إرسال عناصر من مجموعة فاغنر. ورغم أن هذا الدعم ساهم في بقاء النظام في السلطة، إلا أنه رفع في المقابل تكلفة الرهان الروسي. فوجود فاغنر أثار انتقادات واسعة النطاق، وفاقم من حدة الأزمة. فنزويلا أصبحت عبئًا استراتيجيًا أكثر من كونها ورقة ضغط مؤثرة.

أوكرانيا تغير الأولويات: تخلي روسي مدبر

مع بدء حرب أوكرانيا وتصاعد التوترات مع الغرب، تغيرت أولويات الكرملين بشكل جذري. أصبحت أوكرانيا محور الاهتمام الرئيسي، واستنزفت القدرات العسكرية والاقتصادية الروسية. وبالتالي، لم تعد روسيا قادرة أو راغبة في الدفاع عن حلفائها البعيدين، مثل فنزويلا.

“مقايضة غريبة”: عرض روسي مرفوض

في تطور مفاجئ، كشفت فيونا هيل، المديرة السابقة لشؤون أوروبا وروسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، أن موسكو ألمحت إلى رغبتها في “مقايضة غريبة” بين فنزويلا وأوكرانيا في أواخر عام 2019. كان العرض يقضي بمنح كل قوة عظمى حرية التصرف في “فنائها الخلفي”. لكن هيل سافرت إلى موسكو لرفض هذا العرض بشكل قاطع. هذا يوضح أن السياسة الخارجية الروسية كانت تسعى إلى إعادة ترتيب التحالفات بناءً على حسابات جديدة، مع إعطاء الأولوية لمصالحها في ساحة الصراع المباشرة.

الاعتقال الأخير: نهاية حقبة

اعتقال نيكولاس مادورو يمثل تتويجًا لسلسلة من الإخفاقات الروسية في فنزويلا. هذا الحدث يؤكد على تراجع نفوذ موسكو في أمريكا اللاتينية وفشلها في بناء رأس حربة مناهضة للولايات المتحدة في هذه المنطقة. الأزمة في فنزويلا تُظهر بوضوح صعوبة الحفاظ على التحالفات الجيوسياسية في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المتغيرة.

في الختام، لقد كانت التجربة الروسية في فنزويلا بمثابة درس قاسٍ في حدود النفوذ وأهمية التخطيط الاستراتيجي. مع تركيزها الآن على حرب أوكرانيا، من غير المرجح أن تعود روسيا إلى الاستثمار بقوة في أمريكا اللاتينية في أي وقت قريب. هذه القصة ليست فقط حول فشل مشروع جيوسياسي، بل أيضًا حول التغيرات العميقة في النظام العالمي وتوزيع القوى. يمكن للقارئ مشاركة هذا التحليل مع الآخرين للمساهمة في فهم أعمق للأبعاد الإقليمية والدولية لهذه القضية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version