هشاشة بريطانية: هل فقدت بريطانيا مناعتها أمام صدمة الحرب؟

يشهد المشهد البريطاني اليوم حالة من الهدوء النسبي لم يعشها منذ ثمانية عقود، فترة خالية من المواجهات العسكرية الكبرى مع قوى عظمى. لكن هذا الهدوء، كما يرى الكاتب مارك والاس في مقال له، قد يكون وهماً خطيراً. فالأجيال البريطانية الحالية لم تعد تمتلك المناعة الثقافية والنفسية اللازمة لاستيعاب صدمة حرب حديثة واسعة النطاق، حرب قد تجتاح البلاد في غضون أسابيع، على عكس ما اعتادت عليه في العقود الماضية. هذا المقال يتناول تحذيرات والاس حول الاستعداد للحرب في بريطانيا، ويستكشف الأسباب الكامنة وراء هذه الهشاشة المتزايدة.

ثمن الحرية المنسي: ذاكرة الأجيال

بدأ والاس مقاله بتأمل مؤثر في طفولته، مستذكراً نصب الشهداء الخشبية في قاعات المدارس البريطانية، تلك التي تحمل أسماء مئات الطلاب الذين ضحوا بأرواحهم في الحربين العالميتين. هذه النصب، المنتشرة في كل قرية ومدينة، لم تكن مجرد تذكار عابر، بل كانت بمثابة تذكير دائم بأن الحرية تأتي بثمن باهظ ومروع.

ولكن، يرى الكاتب أن هذا المعنى العميق قد بدأ يتلاشى في الذاكرة الجماعية البريطانية. فمع مرور الوقت، وتناقص عدد شهود العيان على تلك الحروب، بدأت الأجيال الجديدة تفقد الإحساس الحقيقي بالتضحيات التي قدمها أسلافهم من أجل الحفاظ على قيم الحرية والأمن. هذا النسيان، في رأي والاس، يشكل خطراً حقيقياً على مستقبل البلاد.

عالم مضطرب: تهديدات متزايدة للأمن البريطاني

إن السياق العالمي الحالي يفاقم من هذه المخاوف. فالوضع العالمي في عام 2026، كما يصفه والاس، أكثر اضطراباً وتعقيداً من أي وقت مضى. الحرب الروسية الأوكرانية، وهي الأسوأ في أوروبا منذ عام 1945، لا تزال مستمرة، وترافقها تهديدات متصاعدة لأمن أوروبا الغربية.

إضافة إلى ذلك، تشهد الصين نمواً سريعاً في قوتها العسكرية، وتعمل على تعزيز نفوذها في المنطقة، بما في ذلك محاولة محاصرة تايوان. هذه التطورات تشير إلى أن العالم يتجه نحو حقبة جديدة من التنافس والصراع، وأن بريطانيا، على الرغم من موقعها الجغرافي، ليست بمنأى عن هذه التهديدات.

“الحرب تهتم بك”: حكمة تروتسكي في عالم اليوم

يقتبس والاس مقولة شهيرة لليون تروتسكي، منظّر الثورة البلشفية، والتي تقول: “قد لا تهتم بالحرب، لكنّ الحرب مهتمة بك”. هذه المقولة تلخص بشكل دقيق حقيقة أن الركون إلى السلام لا يعني بالضرورة تجنب الصراع. فالحرب، بطبيعتها، غير متوقعة، وقد تندلع في أي لحظة، بغض النظر عن رغبة الأفراد أو الدول في تجنبها.

ثمانية عقود من السلام: هل أضعفت الجيش البريطاني؟

يشير والاس إلى أن بريطانيا لم تخض حرباً حقيقية ضد دولة تضاهيها في القوة لأكثر من ثمانية عقود. هذا الهدوء النسبي أدى إلى تراجع في الاستعداد العسكري، وإلى إضعاف في القدرات الدفاعية للجيش البريطاني. ويحذر من أن الجيش البريطاني قد يتعرض للتدمير الكامل أو الخروج من الخدمة في غضون أسابيع قليلة في حال اندلاع حرب حديثة، على غرار الحرب الروسية الأوكرانية.

صحيح أن بريطانيا شاركت في العديد من الصراعات العسكرية الأصغر خلال هذه الفترة، مثل الحروب في العراق وأفغانستان، إلا أن هذه الصراعات كانت محدودة النطاق، وتواجهت فيها القوات البريطانية مع أعداء أقل فتكاً. وبالتالي، فإن هذه التجارب لم تكن كافية لإعداد بريطانيا لمواجهة حرب كبرى. القدرات العسكرية البريطانية تحتاج إلى إعادة تقييم وتطوير.

الصدمة النفسية والاجتماعية: سلاح الأعداء الخفي

أشد ما يخشاه والاس هو تأثير الصدمة النفسية والاجتماعية على المجتمع البريطاني في حال اندلاع حرب. فهو يتذكر كيف اهتزت مشاعر البريطانيين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما كانوا يشاهدون توابيت جنودهم القتلى تعود من العراق وأفغانستان.

ويحذر من أن حرباً واسعة النطاق قد تتسبب في خسائر بشرية أكبر بكثير، مما قد يؤدي إلى انهيار معنويات المجتمع، وتفككه. هذا الضعف في المناعة النفسية والاجتماعية يمثل سلاحاً بيد الأعداء، فالأنظمة الشمولية في روسيا والصين تراهن على أن المجتمعات الغربية المترفة سوف تنهار أمام أول صدمة حقيقية. الأمن القومي يتطلب استعداداً نفسياً واجتماعياً.

الاستعداد ليس مجرد ميزانية: ضرورة اليقظة الثقافية

في الختام، يؤكد والاس أن الحل لا يكمن فقط في زيادة ميزانية الدفاع، بل في ضرورة إحداث يقظة ثقافية واجتماعية تعيد تقدير قيمة الردع العسكري، والاستعداد النفسي لمواجهة الحقيقة المرة. يجب على البريطانيين أن يتذكروا دائماً أن الحرية ليست مجانية، وأن الحفاظ عليها يتطلب تضحيات وجهوداً مستمرة.

إن النصب التذكارية ليست مجرد رموز للماضي، بل هي رسالة تحذيرية للمستقبل، تذكر البريطانيين بأن عليهم أن يكونوا مستعدين للدفاع عن أنفسهم وعن قيمهم في وجه أي تهديد. الردع العسكري هو أساس الأمن والاستقرار. يجب على بريطانيا أن تتعلم من التاريخ، وأن تستعد للمستقبل، وأن تحافظ على مناعتها أمام صدمة الحرب.

شاركها.
اترك تعليقاً