أثار بيان صادر عن بطاركة ورؤساء الكنائس في فلسطين رفضًا قاطعًا لظاهرة “الصهيونية المسيحية” وتنامي تأثيرها، مُحذرين من أن هذه الأيديولوجية لا تخدم سوى أجندات إسرائيل وتُهدد الوجود المسيحي في الأرض المقدسة. البيان، الذي نشرته الجزيرة نت، كشف عن قلق عميق داخل الأوساط المسيحية الفلسطينية من محاولات البعض استغلال الدين لخدمة أهداف سياسية، وتأثير ذلك على وحدة المجتمع المسيحي وعلاقته بالقضية الفلسطينية. هذا المقال يتناول تفاصيل هذا الرفض، وأبعاده، والمخاطر التي يراها قادة الكنائس في هذه الظاهرة، مع التركيز على الصهيونية المسيحية وتأثيرها.
رفض الكنائس الفلسطينية للصهيونية المسيحية: تحذير من تضليل الرأي العام
أكد البيان الصادر عن بطاركة ورؤساء الكنائس أن تمثيل المسيحيين في الأرض المقدسة هو حق وواجب حصري للكنائس التاريخية، وأن أي محاولة من أفراد أو مبادرات خارج هذا الإطار الرسمي يُعد تضليلًا للرأي العام وإضرارًا بوحدة الرعية. وأشاروا إلى أن هذه الأنشطة، التي يروج لها البعض، غالبًا ما تحظى بدعم من جهات سياسية إسرائيلية وأجنبية تسعى إلى فرض أجندة معينة في المنطقة.
الخطر الأكبر، بحسب البيان، يكمن في أن هذه الأيديولوجية تُزرع الفتنة وتُضعف النسيج الاجتماعي للمسيحيين في فلسطين، وتُهدد رسالتهم الروحية والاجتماعية. كما أن الترحيب بهذه المبادرات من قبل بعض الجهات الرسمية يُعد تدخلًا سافرًا في الشؤون الداخلية للكنائس، وتجاهلاً للمسؤولية الرعوية الملقاة على عاتق البطاركة والرؤساء.
ما هي الصهيونية المسيحية؟ وكيف تظهر في فلسطين؟
الصهيونية المسيحية هي حركة دينية وسياسية تؤمن بأهمية دعم دولة إسرائيل كجزء من تحقيق نبوءات الكتاب المقدس المتعلقة بالعودة الثانية للمسيح ونهاية الزمان. يعتقد أتباعها أن قيام إسرائيل هو شرط أساسي لتحقيق هذه النبوءات، وأن دعمها هو واجب ديني عليهم.
في فلسطين، تتجلى هذه الظاهرة من خلال أفراد ومجموعات تقوم بالترويج لهذه الأفكار، وتنظيم زيارات للشخصيات الإسرائيلية، وتقديم الدعم المالي والسياسي لإسرائيل. كما يسعون إلى التأثير على الرأي العام، خاصة في الولايات المتحدة، من خلال تصوير إسرائيل على أنها ضحية، وتبرير سياساتها تجاه الفلسطينيين. هذه الجهود تثير قلق الكنائس الفلسطينية، التي ترى فيها محاولة لتقويض حقوق الفلسطينيين وتشويه صورة المسيحية في المنطقة.
تأثير الأيديولوجية على المجتمع المسيحي الفلسطيني
المطران ويليام شوملي، النائب البطريركي العام في بطريركية اللاتين بالقدس، أوضح في حديث للجزيرة نت أن رؤساء الكنائس يترفعون عن ذكر أسماء الأفراد المعنيين، لكنهم ينتقدون بشدة الأيديولوجية التي يتبنونها. وأضاف أن هذه الأيديولوجية “تدافع عن طرف دون الآخر وتعطي حقًا لطرف دون الآخر وهذا لا يجوز”.
وأشار المطران شوملي إلى أن هؤلاء الأفراد يدّعون تمثيل المسيحيين في الأرض المقدسة، بينما هم في الواقع أقلية، وأن الممثل الحقيقي للمسيحية الفلسطينية هم رؤساء الكنائس. كما حذر من أنهم يسعون إلى الحصول على شرعية من خلال تنظيم زيارات للشخصيات الإسرائيلية والمطالبة ببعض الامتيازات، مثل فتح الكنائس المغلقة، بهدف إظهار أنهم يدافعون عن مصالح المسيحيين.
تضليل الرأي العام وتأثيره على القضية الفلسطينية
يؤكد قادة الكنائس أن الصهيونية المسيحية تمارس تضليلًا خطيرًا على الرأي العام، خاصة في الولايات المتحدة، التي تعتبر الداعم الرئيسي لإسرائيل. هذا التضليل يمكن أن يؤثر على قرارات السياسة الخارجية الأمريكية، ويجعل من الصعب تحقيق حل عادل للقضية الفلسطينية.
جورج عكروش، مدير دائرة التنمية والتطوير في البطريركية اللاتينية بالقدس، شدد على أن المسيحيين يرفضون أي تفسير سياسي للكتاب المقدس، وأن رسالتهم هي المحبة والسلام والعطاء. وأضاف أنهم يرفضون التلاعب بالنصوص الدينية لتبرير استيلاء شعب على أرض شعب آخر. الدعم السياسي لإسرائيل من قبل هذه الجماعات يُعدّ استغلالًا للدين في خدمة أهداف سياسية ضيقة.
مستقبل العلاقة بين المسيحيين والقضية الفلسطينية
الخطر الأكبر الذي يثيره قادة الكنائس هو أن هذه الأيديولوجية يمكن أن تخلق فتنة داخل المجتمع المسيحي الفلسطيني، وتُضعف وحدته وتماسكه. كما يمكن أن تؤدي إلى تدهور علاقة المسيحيين بالقضية الفلسطينية، وتجعلهم يبدون كأنهم يقفون إلى جانب إسرائيل ضد حقوق شعبهم.
لذلك، يدعو قادة الكنائس إلى موقف موحد من قبل جميع المسيحيين في فلسطين، ورفض الاستماع إلى الأصوات النشاز التي تثير الفتنة. ويؤكدون أن رؤساء الكنائس هم وحدهم الذين يمثلون المسيحيين في الأمور المتعلقة بالحياة الدينية والاجتماعية والرعوية في الأرض المقدسة. البيانات الصادرة عنهم هي التي تعبر عن موقفهم الحقيقي، وليس أي شخص يرفع الراية ويدعي تمثيلهم.
في الختام، يمثل رفض الكنائس الفلسطينية للصهيونية المسيحية موقفًا وطنيًا ودينيًا هامًا، يهدف إلى حماية الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، والحفاظ على وحدة المجتمع المسيحي. ويتطلب هذا الأمر وعيًا وتيقظًا من قبل جميع المسيحيين، ورفض الاستماع إلى الأصوات المضللة التي تسعى إلى تفتيتهم وتقويض رسالتهم.















