في أعقاب استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، عادت إلى الواجهة التساؤلات حول مستقبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب. يثير هذا الحدث جدلاً واسعاً حول مدى التزام إسرائيل بالاتفاق، وتأثير الضغوط الأمريكية على حكومة بنيامين نتنياهو، وفرص تحقيق تقدم حقيقي نحو إنهاء الأزمة الإنسانية في غزة. هذا المقال يتناول بالتفصيل هذه التطورات، ويحلل وجهات النظر المختلفة حول اتفاق وقف الحرب في غزة، مع التركيز على العقبات المحتملة والتحديات التي تواجه العملية برمتها.
استعادة الجثة وذرائع نتنياهو
يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية، مهند مصطفى، أن استعادة جثة الأسير لم تنهِ مبررات نتنياهو بشكل كامل، بل أزالت فقط ذريعة رئيسية تتعلق بفتح معبر رفح. وأضاف أن نتنياهو كان على علم بمكان الجثة لأسابيع، لكنه تعمد تأخير استعادتها بهدف سياسي، وهو اللعب على مشاعر عائلة الأسير واستغلال القضية لتأجيل فتح المعبر.
ويوضح مصطفى أن تحرك الجيش الإسرائيلي للعثور على الجثة جاء نتيجة للضغوط الأمريكية المتزايدة على نتنياهو لفتح معبر رفح. لكنه يؤكد أن نتنياهو سعى إلى تصوير هذا الإجراء على أنه استكمال للمرحلة الأولى من الاتفاق، وليس استجابة للضغط الأمريكي. ويضيف أن استعادة الجثة لا تلغي بشكل تلقائي المبررات التي يستخدمها نتنياهو لعرقلة المرحلة الثانية، خاصةً فيما يتعلق بمطالبه المتعلقة بنزع سلاح حركة حماس.
الضغط الأمريكي ودور الوسطاء في تنفيذ الاتفاق
من جانبه، أكد توماس واريك، المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية، أن الإدارة الأمريكية ستواصل ممارسة الضغط على جميع الأطراف المعنية لضمان التنفيذ الكامل لجميع بنود اتفاق تبادل الأسرى، وليس فقط تلك التي تخدم مصالحهم الضيقة.
يشمل هذا الضغط، بحسب واريك، الضغط على إسرائيل لفتح معبر رفح بشكل يسمح بدخول المساعدات الإنسانية الكافية، بالإضافة إلى إجراء مناقشات حول حلول طويلة الأمد للقضايا المعقدة. وفي الوقت نفسه، ستضغط الولايات المتحدة على حركة حماس لتسليم الإدارة المدنية لقطاع غزة إلى اللجنة الوطنية، والتخلي عن الأسلحة الثقيلة.
ويعترف واريك بأن الشروط الإسرائيلية لفتح معبر رفح، والتي تشمل تقييد الحركة بالمشاة وإخضاع المعبر لتفتيش إسرائيلي كامل، لا تتوافق مع بنود الاتفاق، وتثير إحباطاً كبيراً في الإدارة الأمريكية.
تلاعب إسرائيلي ومحاولات لتغيير جوهر الاتفاق
أحمد الطناني، الكاتب والمحلل السياسي من غزة، يشدد على التزام المقاومة الفلسطينية بالاتفاق منذ البداية، بما في ذلك القضايا الشائكة المتعلقة بجثث الأسرى. ويعزو عرقلة التنفيذ إلى الاحتلال الإسرائيلي، الذي منع إدخال الأدوات والمعدات اللازمة لإتمام العملية.
ويرى الطناني أن إسرائيل تسعى إلى تفريغ الاتفاق من جوهره، وتحويله من اتفاق لوقف إطلاق النار إلى إطار عمل يعيد إنتاج أهداف الحرب، وهو ما يحظى بدعم أمريكي مباشر. ويضيف أن نتنياهو يستغل كل التفاصيل في دعايته الداخلية، بهدف إرضاء شركائه في الائتلاف الحاكم.
ويؤكد الطناني أن فتح معبر رفح والبروتوكول الإنساني هما استحقاقان من المرحلة الأولى من الاتفاق، وأن تصويرهما على أنهما إنجاز في المرحلة الثانية يعكس محاولة لإعادة صياغة الحصار والابتزاز الإنساني الذي يمارسه الاحتلال على قطاع غزة. كما يرى أن طرح قضية نزع سلاح حماس في هذا التوقيت هو مجرد أداة جديدة للمماطلة الإسرائيلية، وإفراغ الاتفاق من محتواه.
مستقبل المفاوضات والسيناريوهات المحتملة
فيما يتعلق بالوضع الداخلي الإسرائيلي، يعتقد مهند مصطفى أن قاعدة نتنياهو اليمينية الصلبة ستواصل دعمه، حتى مع انكشاف محاولات التلاعب. ويشير إلى أن استعادة الأسرى تعتبر هدفاً من أهداف الحرب، لكنها لا ترقى إلى مستوى “الإنجاز” الذي يروج له نتنياهو.
ويرى أن واشنطن تتفق مع إسرائيل في الغايات، لكنها تختلف في الأساليب. ويتوقع أن يلجأ نتنياهو مجدداً إلى تكتيك إدارة الأزمات في ملف نزع سلاح حماس، وربط عملية إعادة الإعمار بتنفيذ هذا الشرط، مما سيؤدي إلى تأجيل تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق لأشهر طويلة. ويضيف أن نتنياهو استغل قضية الجثة لتأجيل فتح معبر رفح، وهو ما يعكس استمراره في سياسة المماطلة والتعنت.
الخلاصة: تحديات مستمرة ومصير غزة معلق
إن مستقبل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية و مصير قطاع غزة لا يزال معلقاً. على الرغم من استعادة جثة الأسير، إلا أن العقبات التي تحول دون تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب لا تزال قائمة. يتطلب تحقيق تقدم حقيقي ضغوطاً دولية متزايدة على إسرائيل، والتزاماً حقيقياً من جميع الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاق بشكل كامل وشفاف. كما يتطلب إيجاد حلول مبتكرة للقضايا المعقدة، مثل نزع سلاح حماس وإعادة إعمار غزة، مع مراعاة مصالح جميع الأطراف.
نأمل أن يساهم هذا المقال في زيادة الوعي بالتحديات التي تواجه عملية السلام، وتشجيع الحوار البناء بهدف تحقيق حل عادل ودائم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لا تتردد في مشاركة هذا المقال مع الآخرين، وتقديم تعليقاتك وآرائك حول هذا الموضوع الهام.















