في خضم التطورات السياسية المتسارعة في اليمن، أثار إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، بشأن استقلال جنوب اليمن، ردود فعل متباينة. يعتبر مراقبون أن هذا الإعلان، الذي جاء في الأول من فبراير 2026، يمثل مناورة سياسية أكثر منه خطوة عملية نحو تحقيق الاستقلال الفعلي. هذا المقال يتناول تحليلًا معمقًا لهذا الإعلان، وتقييمًا لفرص تنفيذه، والمواقف الإقليمية المتوقعة، مع التركيز على استقلال جنوب اليمن كونه المحور الرئيسي لهذه التطورات.
تقييم إعلان استقلال جنوب اليمن: مناورة أم واقع؟
يرى الدكتور سعد بن عمر، مدير مركز القرن العربي للدراسات في الرياض، أن إعلان الزبيدي عن استقلال جنوب اليمن يفتقر إلى أي أسس قانونية حقيقية، واصفًا إياه بأنه “لعبة سياسية أولى ابتدائي”. ويضيف أن هذه الخطوة، التي تأتي في ظل سيطرة قوات الانتقالي على البنك المركزي في عدن، لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع، بل ستؤدي إلى عزل الزبيدي عن المشهد السياسي اليمني.
ويوضح الدكتور ابن عمر أن الزبيدي يسعى من خلال هذا الإعلان إلى كسب ورقة ضغط في المفاوضات السياسية الجارية، محاولًا بذلك إظهار قوته والتأثير على مسار الأحداث. إلا أن هذا التكتيك، بحسب رأيه، قد يأتي بنتائج عكسية، خاصةً مع غياب الدعم الإقليمي والدولي.
الرسائل الضمنية وراء السيطرة على البنك المركزي
السيطرة على البنك المركزي في عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة الشرعية اليمنية، تحمل رسالة ضمنية للحكومة الشرعية، وفقًا لتحليل الدكتور ابن عمر. هذه الرسالة تشير إلى أن الزبيدي تجاوز الخطوط الحمراء، وأنه يمتلك الآن القدرة على التأثير في الوضع الاقتصادي، وبالتالي، يضع الحكومة أمام خيار صعب: إما المواجهة العسكرية في عدن، وإما التفاوض معه من موقع قوة.
المعارضة الداخلية وتحديات التنفيذ
لا يقتصر التحدي الذي يواجهه الزبيدي على المواقف الإقليمية والدولية، بل يمتد ليشمل المعارضة الداخلية القوية في جنوب اليمن. يشير الدكتور ابن عمر إلى وجود “بحر من العداء” داخل الجنوب تجاه الزبيدي، موضحًا أن سكان محافظات الضالع وشبوة ولحج وأبين لا يتفقون مع رؤيته.
صراعات السلطة وتأثيرها على الاستقرار
تنشأ هذه المعارضة من صراعات السلطة والتنافس السياسي، حيث يرى العديد من الجنوبيين أن الزبيدي يسعى إلى احتكار السلطة والثروة. بالإضافة إلى ذلك، هناك مكونات سياسية وفكرية استاءت من سياسات الزبيدي، وتنتظر الفرصة للانقضاض عليه وتصحيح الوضع. هذه العوامل الداخلية تقلل بشكل كبير من فرص تحقيق الاستقلال جنوب اليمن في ظل هذه الظروف.
الموقف الإقليمي والدور السعودي
من المتوقع أن تمتنع الإمارات العربية المتحدة عن التدخل المباشر في جنوب اليمن، بحسب الدكتور ابن عمر. ويعزو ذلك إلى وجود “إشكالات” داخلية لدى الإمارات تمنعها من الانخراط في هذه القضية، مشيرًا إلى أن الإمارات بدأت في مراجعة سياساتها في المنطقة.
رؤية المملكة العربية السعودية
أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فيؤكد الدكتور ابن عمر أن موقفها واضح وثابت، وهو عدم الاعتراف بأي شرعية منفصلة للجنوب. ويتوقع أن تنتهي الأمور بخروج الانتقالي من المحافظات الشرقية والعودة إلى مواقعه السابقة في عدن فقط. وتؤكد السعودية على أهمية الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته. كما أن الحوار اليمني هو السبيل الوحيد لحل الأزمة.
هل الإعلان مجرد محاولة يائسة؟
يرى الدكتور ابن عمر أن إعلان الزبيدي عن استقلال جنوب اليمن هو محاولة يائسة لصد التقدم في المحافظات الشرقية، والخروج بموقف سياسي جديد يهدف إلى تحريك الأوضاع والضغط على الحكومة السعودية والشرعية اليمنية للجلوس على طاولة المفاوضات. ويؤكد أن الإعلان مجرد “دغدغة” لمشاعر بعض الجماهير في عدن، وأن المحصلة النهائية لهذه الخطوة هي “صفر”.
في الختام، يبدو أن إعلان الزبيدي عن استقلال جنوب اليمن يمثل خطوة غير مدروسة، تفتقر إلى الأسس القانونية والواقعية، وتواجه معارضة داخلية قوية، وتفتقر إلى الدعم الإقليمي والدولي. من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة إلى عزل الزبيدي وتقويض موقفه السياسي، بدلًا من تحقيق الاستقلال المنشود. يبقى الأمل معقودًا على الحوار اليمني الشامل، والتوصل إلى حل سياسي يضمن وحدة اليمن واستقراره، ويحقق تطلعات جميع أبنائه. نأمل أن يساهم هذا التحليل في فهم أعمق للتطورات الجارية في اليمن، وتشجيع النقاش البناء حول مستقبل هذا البلد.















