أثار إعلان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، عن بدء فترة انتقالية لمدة عامين تمهيدًا لإجراء استفتاء على استقلال جنوب اليمن ردود فعل متباينة وتساؤلات عميقة حول مستقبل اليمن. هذا الإعلان، الذي يأتي في ظل تعقيدات الأوضاع الراهنة وسيطرة المجلس الانتقالي على محافظتي حضرموت والمهرة، يمثل تصعيدًا إضافيًا قد يزيد من حدة الأزمة اليمنية المستمرة. هل سيحظى هذا الطرح بدعم خارجي؟ وما هي العقبات الدستورية والتاريخية التي تواجهه؟ هذا ما سنستعرضه في هذا المقال.

تطورات الأوضاع و إعلان المجلس الانتقالي

في تطور لافت، أعلن عيدروس الزبيدي عن هذه الخطوة في الثاني من يناير 2026، مما فاجأ العديد من المراقبين. ويأتي هذا الإعلان بعد فترة من تصاعد التوترات وسيطرة قوات المجلس الانتقالي على مناطق واسعة، بما في ذلك حضرموت والمهرة الغنيتين بالموارد. ويرى مراقبون أن هذه السيطرة تُشكل قاعدة نفوذ للمجلس في سعيه نحو تحقيق استقلال جنوب اليمن.

صرح سعيد ثابت، مدير مكتب الجزيرة في اليمن، بأن هذا الإعلان يمثل محاولة لاستعادة ما يسميه المجلس بـ “دولة الجنوب”، ولكنه أكد على وجود إشكاليات دستورية وقانونية وتاريخية معقدة تحيط بهذا الطرح. وأضاف أن المجلس الانتقالي اتخذ هذا القرار بعد معركة حضرموت، واعتبره خيارًا وحيدًا متبقيًا.

الدعم الخارجي: ضرورة أم مجرد أمنية؟

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه حاليًا هو: هل سيحظى هذا المسعى نحو استقلال جنوب اليمن بدعم خارجي؟ يشير سعيد ثابت إلى أن الإعلان، في شكله الحالي، يفتقر إلى الترتيبات والتنسيقات اللازمة مع الأطراف الخارجية. وبحسب قوله، فإن المجتمع الدولي والدول العربية، بما في ذلك الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، يؤكدون جميعًا على وحدة وسيادة اليمن، وهو موقف يعيق بشكل كبير تحقيق هذا الهدف.

المشكلة لا تكمن فقط في غياب الدعم المعلن، بل في احتمالية معارضة قوية من هذه الأطراف، خاصةً تلك التي ترى في وحدة اليمن ضمانة للاستقرار الإقليمي. وبالتالي، فإن تحقيق الاستقلال يتطلب بشكل حاسم الحصول على مباركة ودعم من قوى إقليمية ودولية مؤثرة، وهو أمر غير مضمون في الوقت الحالي.

إشكاليات دستورية وقانونية تعترض طريق الاستقلال

لا يقتصر التحدي على الدعم الخارجي، بل يمتد ليشمل الجوانب الدستورية والقانونية. يظل عيدروس الزبيدي عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي اليمني، ولم يعلن بشكل رسمي عن استقالته من هذا المنصب. هذه الازدواجية تخلق إشكالًا قانونيًا واضحًا، حيث لا يمكن لشخص أن يكون في الوقت نفسه جزءًا من الحكومة المركزية ورئيسًا لكيان يسعى للانفصال عنها.

بالإضافة إلى ذلك، يمنع الدستور اليمني صراحةً أي توجه نحو الانفصال أو التفكيك. حتى تأسيس المجلس الانتقالي نفسه عام 2017 كان قائمًا على هذه الجزئية الانفصالية، لكن مشروعيته الدستورية تظل موضع شك وقلق. السعي نحو الاستقلال يتطلب إما تعديل الدستور، وهو أمر معقد ويتطلب توافقًا وطنيًا، أو تجاوز الدستور بشكل كامل، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

التعقيدات التاريخية والجغرافية

تشكل الخلفية التاريخية والجغرافية لجنوب اليمن تحديًا إضافيًا. السؤال المحوري الذي يطرحه سعيد ثابت هو: ما هي المناطق التي يقصد الزبيدي استعادتها؟ هل يتعلق الأمر بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي تأسست عام 1967، والتي ضمت المحافظات الشرقية والغربية؟ أم يقصد اتحاد الجنوب العربي الذي أنشأه الاستعمار البريطاني، والذي لم يشمل حضرموت والمهرة؟

هذا التمييز ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل يتعلق بهوية المنطقة ومصالح سكانها. فالمحافظات الشرقية كانت تاريخيًا أقل ارتباطًا بفكرة “الجنوب” مقارنة بالمحافظات الغربية. محاولة فرض رؤية واحدة للجنوب قد تؤدي إلى رفض واسع النطاق من قبل هذه المحافظات. كما أن مفهوم “العربي” الذي كان سائدًا في اتحاد الجنوب العربي قبل الاستقلال يُعتبر من قبل البعض مفهومًا دخيلًا على الهوية اليمنية الأصيلة.

التحديات الداخلية والتمثيل السياسي

بالإضافة إلى التحديات الخارجية والدستورية والتاريخية، يواجه المجلس الانتقالي أيضًا تحديات داخلية تتعلق بالتمثيل والشرعية. توجد فصائل حراك جنوبي أخرى تؤمن بفكرة الاستقلال، ولكنها تختلف مع المجلس الانتقالي في الرؤية والنهج. كما أن هناك فصائل أخرى من المحافظات الشرقية، مثل المجلس الوطني الجنوبي، تعارض بشدة المساعي الانفصالية الحالية.

هذه الخلافات الداخلية تضعف موقف المجلس الانتقالي وتقوض شرعيته. من المرجح أن يواجه الإعلان عن فترة انتقالية معارضة قوية من الحكومة الشرعية اليمنية، بالإضافة إلى ردود فعل سلبية من مختلف الأطراف اليمنية المعارضة للانفصال.

الخلاصة والتوقعات المستقبلية

إن إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن بدء فترة انتقالية نحو الاستقلال يمثل خطوة جريئة، ولكنه محفوفة بالمخاطر والتحديات. من غير المرجح أن يتحقق هذا الهدف دون دعم خارجي قوي، وهو الدعم الذي لا يبدو متاحًا في الوقت الحالي. بالإضافة إلى ذلك، تواجه هذه الخطوة إشكاليات دستورية وقانونية وتاريخية معقدة، فضلاً عن الخلافات الداخلية التي تعيق جهود المجلس الانتقالي.

من المرجح أن يشهد اليمن تصعيدًا جديدًا في التوترات نتيجة لهذا الإعلان، وأن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من التعقيد في المشهد السياسي اليمني. تحقيق الاستقرار والوصول إلى حل شامل يتطلب حوارًا وطنيًا يراعي مصالح جميع الأطراف اليمنية، ويدعم وحدة وسيادة اليمن.

شاركها.
اترك تعليقاً