في قلب ريف درعا الشرقي، تتكشف يومياً مأساة إنسانية صامتة، تحكي قصصاً عن النزوح والمعاناة، والأمل الذي يرفض الاستسلام. هذه القصص، وإن كانت متشابهة في جوهرها، تحمل في طياتها تفاصيل مؤلمة تعبر عن واقع يعيشه آلاف النازحين من محافظة السويداء. هذه المقالة تلقي الضوء على النازحون السوريون في درعا، وتحديداً على ظروفهم المعيشية الصعبة، والتحديات التي تواجههم مع حلول الشتاء، والاحتياجات الماسة التي تتطلب تدخلًا عاجلاً.

موجة النزوح من السويداء إلى درعا: أسباب وعواقب

تعود جذور هذه الأزمة إلى الاشتباكات العنيفة التي اندلعت بين فصائل محلية وقوات الحكومة السورية في محافظة السويداء خلال صيف 2025. تلك المعارك خلفت وراءها عشرات القتلى والجرحى، وأسرى، وأجبرت العشرات من العشائر البدوية على ترك منازلها وأراضيها، هرباً من الانتهاكات التي طالت المدنيين، وخاصة النساء والأطفال. بحكم القرب الجغرافي والروابط الاجتماعية، أصبح ريف درعا الشرقي الوجهة الرئيسية لمعظم النازحين، حيث لجأوا إلى أقاربهم أو انتصبوا في تجمعات عشوائية من الخيام، كالمخيم الصغير في بلدة المليحة.

الحياة القاسية في مخيمات النزوح: معاناة يومية

تتميز الحياة في هذه المخيمات بالبساطة المفرطة، والقسوة التي لا تحتمل. الأطفال، كـ محمد الحمود، (12 عامًا) من بلدة ريمة اللحف، يواجهون صعوبات جمة في الوصول إلى التعليم. يستيقظ محمد قبل بزوغ الفجر، ليشق طريقه يوميًا مسافة تزيد عن كيلومترين سيراً على الأقدام، وسط البرد القارس والأوحال، ليصل إلى المدرسة. “المطر فوق رؤوسنا والوحل تحت أقدامنا”، هكذا يصف محمد رحلته اليومية الشاقة للجزيرة نت.

الظروف المعيشية داخل الخيام لا تقل صعوبة. العائلات تعيش في مساكن مهترئة، تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. يعتمد سكان المخيم على عدد محدود من خزانات المياه، سعة كل منها ألفا لتر، والتي كانت تُعبّأ سابقًا بدعم من منظمة إنسانية، لكن هذا الدعم أصبح غير منتظم. غياب الصرف الصحي يزيد من تفاقم الأوضاع الصحية والبيئية، ويجبر العائلات على اللجوء إلى وسائل بدائية في النظافة.

التحديات المتزايدة مع حلول الشتاء

مع اقتراب فصل الشتاء، تتضاعف معاناة النازحين، وتزداد المخاوف من انعدام الأمن المائي والغذائي. تقول أم جمال العلي إن البرد داخل الخيام “لا يُحتمل”. ورغم توزيع بعض المنظمات لمدافئ، إلا أن العائلات تفتقر إلى الوقود اللازم لتشغيلها. بالإضافة إلى ذلك، يضطر العديد من الأطفال إلى العمل في الحقول الزراعية لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم، في ظل عجز الآباء عن العمل بسبب الظروف الصحية والاجتماعية. هذه الظاهرة تثير القلق من تفشي عمالة الأطفال بين صفوف النازحين.

الاحتياجات الماسة والاستجابة الإنسانية المحدودة

يحتاج النازحون في ريف درعا بشكل عاجل إلى الإيواء الشتوي المناسب، وتوفير الخيام المقاومة للرياح والأمطار، ووسائل التدفئة، وأجهزة الإضاءة. كما يحتاجون إلى الملابس الشتوية، ومواد النظافة، والمستلزمات الخاصة بالنساء.

رئيس بلدية المليحة الشرقية، فتحي الزعبي، يؤكد أن الخدمات المقدمة للنازحين محدودة للغاية، وتقتصر حاليًا على توفير مياه الشرب والإشراف الطبي الجزئي. ويشير إلى أن الخدمات الطبية قد توقفت مؤخرًا بعد انسحاب المنظمات الطبية من المنطقة، مما زاد من معاناة المرضى. كما أن الحصول على سلة غذائية واحدة شهريًا لا يكفي لسد احتياجات العائلات، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وانعدام فرص العمل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن صعوبة الوصول إلى المخيمات، واتساع نطاقها على الأراضي الزراعية التي تفتقر إلى الطرق المعبدة، يشكل تحديًا كبيرًا أمام وصول المساعدات الإنسانية.

الأمل بالعودة ومستقبل مجهول

على الرغم من كل الصعاب، يظل الأمل بالعودة إلى ديارهم حاضراً في قلوب النازحين. يتمنون أن تنتهي هذه المرحلة الصعبة، وأن يتمكن أطفالهم من استئناف تعليمهم، وأن تعود الحياة إلى ما كانت عليه. فرحان الحمود، أحد قاطني المخيم، فقد كل ما يملك خلال رحلة النزوح، ولكنه لا يزال يحلم بغد أفضل.

إن الوضع الإنساني في ريف درعا هش للغاية. تراجع الاستجابة الإنسانية، وتعقد المشهد السياسي والأمني، يهددان بزيادة المعاناة وتدهور الأوضاع المعيشية للنازحين. هناك حاجة ماسة إلى تدخل عاجل من المنظمات الإنسانية والدولية لتلبية احتياجاتهم، وتوفير الحماية اللازمة لهم، وتمكينهم من العيش بكرامة. التواصل مع المنظمات الإنسانية وتكثيف الجهود الرامية لتوفير الدعم اللازم أمر بالغ الأهمية لضمان عدم تفاقم الأزمة، وتقديم الأمل لأولئك الذين فقدوا كل شيء. لمعرفة المزيد حول كيفية المساعدة، يمكنكم البحث عن المنظمات العاملة في المنطقة وتقديم التبرعات أو التطوع بوقتكم ومهاراتكم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version