في السنوات الأخيرة، شهدت الولايات المتحدة نقاشًا متزايدًا حول قضايا الهوية والولاء، وتجلى ذلك في مقترحات تشريعية مثيرة للجدل. من بين هذه المقترحات، مشروع قانون يهدد بتقويض مبدأ الجنسية المزدوجة الذي ساد لعقود، ويفرض على الملايين من الأمريكيين الاختيار بين جنسيتهم الأمريكية وجنسياتهم الأصلية. هذا التغيير المحتمل يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الهجرة والاندماج في المجتمع الأمريكي، ويشكل نقطة تحول في السياسات المتعلقة بالجنسية المزدوجة في أمريكا.

مشروع قانون “الجنسية الحصرية” وتداعياته المحتملة

قدم السيناتور الجمهوري بيرني مورينو من ولاية أوهايو مشروع قانون “الجنسية الحصرية لعام 2025″، والذي يهدف إلى إنهاء ممارسة السماح للأمريكيين بحمل جنسيات متعددة. ينص القانون على أن المواطنين الأمريكيين يجب أن يبدوا “الولاء الوحيد والحصري” للولايات المتحدة، مما يعني التخلي عن أي جنسية أخرى، والاكتفاء بجواز سفر أمريكي واحد.

هذا القانون، إذا أقر، سيفرض على حاملي الجنسية المزدوجة، والذين يقدر عددهم بحوالي 50 مليون أمريكي، سنة واحدة لاتخاذ قرار بشأن الجنسية التي يرغبون في الاحتفاظ بها. الخيار صعب: التخلي عن الجنسية الأمريكية يعني فقدان الحقوق والامتيازات المرتبطة بها، بينما التخلي عن الجنسية الأخرى قد يكون معقدًا من الناحية القانونية أو العاطفية.

تاريخ التعامل مع الجنسية المزدوجة في الولايات المتحدة

لطالما كانت الولايات المتحدة منفتحة نسبيًا على مسألة الجنسية المزدوجة، مقارنة بالعديد من الدول الأخرى. على الرغم من أن القانون الأمريكي لا يحظر صراحةً الجنسية المزدوجة، إلا أن الدستور لم يتناول هذه المسألة بشكل مباشر.

في عام 1967، لعبت المحكمة العليا الأمريكية دورًا حاسمًا في حماية حقوق الأمريكيين الذين يكتسبون جنسية أجنبية، حيث قضت في قضية “أفرويم ضد روسك” بأنه لا يمكن إلغاء الجنسية الأمريكية قسرًا. هذا الحكم أكد على أن الشخص يمكن أن يكون مواطنًا لأكثر من دولة في وقت واحد، حتى وإن لم تكن الحكومة الأمريكية تشجع ذلك بشكل رسمي.

هذا التاريخ من المرونة والشمولية قد يتغير بشكل جذري مع مشروع القانون الجديد، الذي يمثل تحولًا كبيرًا في السياسة الأمريكية تجاه الهجرة والجنسية.

دوافع السيناتور مورينو وراء مشروع القانون

يرى السيناتور مورينو أن السماح بالجنسية المزدوجة يخلق “تضاربًا في المصالح” ويضعف الولاء للولايات المتحدة. ويؤكد أن الحصول على الجنسية الأمريكية هو “شرف وامتياز” يجب أن يترتب عليه التزام كامل بالولاء لأمريكا.

في بيانه الرسمي، قال مورينو: “كونك مواطنًا أمريكيًا شرف وامتياز، وإذا أردت أن تكون أمريكيًا، فلتكن أمريكيًا كاملاً أو غير أمريكي”. هذا التصريح يعكس قناعة راسخة بأن الولاء المزدوج غير مقبول، وأن المواطنة يجب أن تكون حصرية.

التشديد على الهوية الوطنية وتأثير إدارة ترامب

يعكس مشروع القانون الجديد اتجاهًا متزايدًا نحو التشديد على الهوية الوطنية، والذي يتسق مع السياسات التي اتبعتها إدارة ترامب في مجال الهجرة. فقد شهدت فترة ولاية ترامب حملات ترحيل واسعة النطاق للمهاجرين غير الشرعيين، ومحاولات لتقييد الهجرة القانونية.

بالإضافة إلى ذلك، سعت إدارة ترامب إلى إلغاء الحصول على الجنسية الأمريكية تلقائيًا للأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية لأبوين غير أمريكيين أو لمهاجرين غير شرعيين. هذه الجهود، إلى جانب مشروع قانون الجنسية الحصرية، تشير إلى رغبة في إعادة تعريف معنى المواطنة الأمريكية، وجعلها أكثر حصرية.

التحديات القانونية والعملية المحتملة

من المتوقع أن يواجه مشروع القانون الجديد معارضة قضائية قوية، إذا تمكن من الحصول على موافقة الكونجرس وتوقيع الرئيس. فقد يطعن المعارضون في دستورية القانون، بحجة أنه يتعارض مع الحقوق الأساسية للمواطنين، أو أنه يشكل تمييزًا على أساس الأصل القومي.

بالإضافة إلى التحديات القانونية، هناك أيضًا تحديات عملية كبيرة. فقد يكون من الصعب على الوكالات الفدرالية تطبيق القانون بشكل فعال، وتحديد من يحمل جنسيات متعددة، ومطالبتهم بالتخلي عن جنسياتهم الأخرى. كما أن هناك احتمالًا لحدوث ارتباك قانوني، خاصة فيما يتعلق بالحقوق والالتزامات المتعلقة بالجنسية.

مستقبل الجنسية المزدوجة في أمريكا

يمثل مشروع قانون الجنسية الحصرية تهديدًا حقيقيًا لمبدأ الجنسية المزدوجة الذي ساد في الولايات المتحدة لعقود. إذا تم إقراره، فسيؤدي إلى تغييرات جذرية في حياة الملايين من الأمريكيين، وسيفرض عليهم خيارات صعبة.

من المهم أن نراقب عن كثب تطورات هذا القانون، وأن نفهم التداعيات المحتملة له على مستقبل الهجرة والاندماج في المجتمع الأمريكي. كما أن هناك حاجة إلى نقاش عام واسع النطاق حول هذه القضية، لضمان أن أي قرار يتم اتخاذه يعكس قيم العدالة والمساواة والشمولية التي لطالما تميزت بها الولايات المتحدة. النقاش حول قانون الجنسية الحصرية يجب أن يشمل جميع الأطراف المعنية، وأن يأخذ في الاعتبار وجهات النظر المختلفة.

شاركها.
اترك تعليقاً