أزمة فنزويلا تمثل لحظة فارقة لليسار في أمريكا اللاتينية، وهو ما يضعنا أمام تحليل معمق لتداعياتها و تأثيرها على المشهد السياسي الإقليمي و العالمي. يصف الكاتب الإسباني بابلو ستيفانوني الوضع بأنّه شبيه بسقوط جدار برلين بالنسبة للحركة اليسارية العالمية، مشيراً إلى أن التجربة الفنزويلية، التي كانت تعتبر في وقتٍ من الأوقات نموذجاً ملهماً، قد تحولت إلى عبء يثقل كاهل اليسار بأكمله.
سقوط نموذج “الشافيزية” وتداعياته على اليسار اللاتيني
يرى ستيفانوني أن انهيار النموذج الذي أسسه هوغو شافيز، و استمر على يد نيكولاس مادورو، يمثل نهاية شرعية أيديولوجية راديكالية يسارية في أمريكا اللاتينية. لم يعد بالإمكان تجاهل الفشل الذريع الذي واجهته فنزويلا في ظل هذا النظام، والذي تميز بالقمع، والتدهور الاقتصادي، وفقدان الثقة الشعبية، و التلاعب بالعملية الديمقراطية.
هذا الفشل يخدم -بشكل غير مباشر – قوى اليمين المتطرف، و يعزز من شرعية التدخلات الخارجية، ويضعف موقف اليسار الديمقراطي الذي يسعى إلى الدفاع عن نفسه و بناء مشروع سياسي جديد. يمكن القول أنّ أزمة فنزويلا قد أهدت خصوم اليسار مادة دسمة لتبرير مواقفهم و استقطاب المزيد من المؤيدين.
من “المعجزة السياسية” إلى “البيروقراطية الفاسدة”
في البداية، كانت “الشافيزية” بمثابة نسمة أمل لليسار العالمي، خاصة وأنها ظهرت بعد انهيار المنظومة الاشتراكية السوفيتية و هيمنة النيوليبرالية. شافيز، بشخصيته الكاريزمية ومعارضته الشرسة للولايات المتحدة و الرأسمالية، استطاع أن يستقطب المثقفين و النشطاء اليساريين الذين فقدوا الأمل في مشاريعهم السياسية. لقد بدا كمن استلم شعلة الثورة من فيدل كاسترو.
تحول الطموحات إلى خيبات أمل
لكن، سرعان ما تبين أن هذا الزخم الراديكالي كان يخفي وراءه تشكلا لنخبة بيروقراطية استغلت الدولة كأداة للثراء و نهب الثروات – وعلى رأسها النفط-، بينما تدهورت الخدمات العامة و انخفض مستوى معيشة المواطنين. هذه الصورة القاتمة تكررت في فنزويلا، و دفعت بعض أطياف اليسار إلى التعبير عن “الشافيزية غير المادورية”، كاعتراف بتباعد النظام عن مبادئ شافيز الأصلية.
إضعاف الخطاب اليساري وتصاعد القمع
مع مرور الوقت، و بحسب الكاتب، قام مادورو بتقويض المفاهيم الأساسية للثورة – كالسيادة و الشعب و المساواة و العدالة الاجتماعية- و حوّلها إلى مجرد شعارات فارغة. الخطاب الشعبوي الذي يركز على مقاومة “الحصار الإمبريالي” أصبح هو السائد، عوضاً عن النقاش الجاد حول الإنجازات الوطنية الملموسة.
تصاعد القمع و توسع صلاحيات الأجهزة الأمنية كان وجهًا آخر لهذا الانحدار. هذا الوضع أدى إلى فقدان الثقة و الشرعية، و جعل النظام عرضة للانتقادات و الاتهامات.
عودة الإمبريالية الأمريكية وصعود اليمين المتطرف
يؤكد ستيفانوني أن انهيار مصداقية نظام مادورو قد شلّ قدرة اليسار على مواجهة عودة النفوذ الأمريكي، خاصةً في ظل صعود شخصية مثل دونالد ترامب. فترامب، بحسب المقال، لا يخجل من إظهار إمبرياليته الصريحة و يتبنى سياسات عدوانية تخدم مصالح واشنطن وقوى اليمين المتطرف.
و يضيف الكاتب في سياق السياسة الخارجية الأمريكية، أن ترامب أعاد إحياء عقيدة مونرو بطريقة هجومية. كما يتهم ترامب بالتخلي عن الأقنعة الزائفة المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، و الإقدام على أفعال تستفز المجتمع الدولي.
“لطخة سوداء” على الحراك المناهض للإمبريالية
في الختام، يصف ستيفانوني نظام مادورو بأنه “لطخة سوداء” لوثت أي حراك مناهض للإمبريالية. فمثلما حدث عند سقوط جدار برلين، سقطت الأنقاض على الجميع، مؤيدين و معارضين. و يؤكد أن الأزمات الكبرى لا تترك مجالاً للحلول الوسط، بل تدفع السياسة نحو أقصى أطيافها، مما يفتح الباب أمام صعود القوى الرجعية و المتطرفة.
سقوط النموذج الفنزويلي يمثل بالتالي تحولاً جذرياً في المشهد السياسي الإقليمي، و يفرض على اليسار إعادة تقييم موقفه و استراتيجياته من أجل استعادة ثقة الجماهير و مواجهة التحديات المتزايدة. و يبقى السؤال المطروح: هل سيتمكن اليسار اللاتيني من التعلم من أخطاء الماضي و تقديم بديل مقنع يرضي طموحات الشعوب و يحقق العدالة الاجتماعية و الاقتصادية؟ هذا ما ستكشفه السنوات القادمة.
#فنزويلا #اليسار_اللاتيني #هوغو_شافيز #نيكولاس_مادورو #السياسة_الخارجية_الأمريكية #الاشتراكية #الإمبريالية















