رغم تصاعد نبرة التهديد العسكري في المنطقة، لا يبدو المشهد الإيراني الأمريكي متجها بالضرورة نحو مواجهة مفتوحة، بقدر ما يعكس صراعا على إدارة اللحظة ومنع انزلاقها إلى حرب تريدها إسرائيل أكثر مما تتحمس لها واشنطن. هذا التوتر المتصاعد، وسباق التسلح المحتمل، يضع المنطقة على مفترق طرق حاسم، وتتطلب فهمًا دقيقًا للديناميكيات المتشابكة.

التهدئة الإيرانية: تراجع تكتيكي أم تغيير استراتيجي؟

تبرز تحركات طهران الأخيرة بوصفها محاولة مدروسة لإعادة ضبط الإيقاع، لا للخضوع لشروط الخصم، حسب ما خلص إليه محللون. فالتزامن بين تأكيدات إيرانية رسمية بعدم السعي إلى الحرب، وحديث أمريكي عن مفاوضات “جدية” يعيد رسم خطوط اشتباك سياسية جديدة. هذه التحركات الإيرانية، التي يمكن وصفها بـ التوتر الإقليمي، تهدف إلى تفكيك مسار تصعيدي ترى إيران أنه صُمم لدفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى خيار عسكري يصعب التراجع عنه.

حلقة “ما وراء الخبر” تناولت هذا السلوك الإيراني بوصفه “تراجعا تكتيكيا” محسوبا لا انكفاء إستراتيجيا. طهران تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ستُخاض في بيئة إقليمية غير مؤاتية، وأن تفادي الحرب لا يعني القبول بقواعدها المفروضة سلفا. هذا الإدراك يفسر الفصل الظاهر في الخطاب الإيراني بين السياسي والعسكري، حيث يواصل الحرس الثوري التأكيد على الجاهزية الدفاعية، بينما يركز المستوى السياسي على إبقاء باب التفاوض مفتوحا.

دور الحرس الثوري والخطاب السياسي

هذا التوزيع للأدوار يهدف إلى الردع دون استفزاز، وإلى التفاوض دون تقديم تنازلات جوهرية. الدكتورة فاطمة طغياني، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة طهران، ترى أن هذا التباين ليس تناقضا، بل تعبير عن استعداد مزدوج. إيران لا تراهن على الحرب، لكنها ترفض أن تدخل التفاوض من موقع الضعف، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقدراتها الدفاعية وبرنامجها الصاروخي. هذا الموقف يعكس قوة إيران الإقليمية، وقدرتها على التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية.

الموقف الأمريكي المتردد والضغوط الداخلية

في المقابل، يظهر الموقف الأمريكي أكثر التباسا. إدارة ترمب تلوّح بالخيار العسكري، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو راغبة في تحمّل كلفة حرب إقليمية واسعة في ظل انقسامات داخلية وحسابات انتخابية. ما يجعل الضغط وسيلة تفاوض بحد ذاته. حديث مايكل مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق، يعكس هذا المأزق، حين يربط الحشد العسكري بمحاولة دفع إيران إلى قبول اتفاق أوسع من الملف النووي.

لكن هذا السقف المرتفع من المطالب يقلص فرص التوصل إلى تسوية سريعة، ويجعل التفاوض ساحة صراع بحد ذاته. الولايات المتحدة تريد اتفاقا يُقيّد النووي والصواريخ والدور الإقليمي، في حين تصر طهران على حصر التفاوض في الملف النووي فقط. هذا التباين يعكس صراعا على تعريف طبيعة التهديد وأولوياته.

العقدة الأساسية: الملف النووي والدور الإقليمي

هنا تبرز العقدة الأساسية في العلاقات الإيرانية الأمريكية. إيران تتحرك تحت ضغط تجربة قاسية، بدءا من استهداف قنصليتها في دمشق، وصولا إلى المواجهة العسكرية المحدودة التي تلتها، والتي ترى طهران أن إسرائيل كانت محركها الأساسي. السلوك الإيراني الحالي محاولة واضحة لإفشال مسعى إسرائيلي لاستثمار اللحظة الإقليمية ودفع واشنطن نحو ضربة قاصمة تفتح الباب أمام سيناريو تغيير النظام، أو على الأقل إنهاكه إستراتيجيا.

قرار إيران إيقاف مناورات عسكرية في الخليج خلال ذروة التوتر، خطوة اعتبرت إشارة تهدئة محسوبة تهدف إلى تجنب سوء تقدير قد يتحول إلى شرارة مواجهة غير مقصودة.

الدور الإسرائيلي والسعي نحو حل عسكري

إسرائيل لا تُخفي رغبتها في استثمار أي نافذة زمنية لدفع المسار نحو حل عسكري حتى في ذروة الحديث عن التفاوض، مستندة إلى تنسيق عسكري مكثف مع واشنطن يهدف إلى إبقاء خيار الضربة حاضرا على الطاولة. لكن قدرة تل أبيب على فرض هذا الخيار تبقى محدودة، لأن القرار النهائي لا يزال أمريكيا. واشنطن تدرك أن أي هجوم على إيران لن يكون محدود الأثر، بل قد يفتح مواجهة إقليمية واسعة تمتد من الخليج إلى لبنان والبحر الأحمر.

هذا التقدير يتقاطع مع ما يطرحه مولروي، الذي يميّز بين التنسيق العسكري والاستعداد العملياتي من جهة، والقرار السياسي من جهة أخرى. الإدارة الأمريكية تُبقي كل الخيارات مفتوحة، لكنها لا تبدو متحمسة لتحمّل كلفة حرب شاملة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

التهدئة الاقتصادية ومحاولة إعادة تعريف التكلفة

في هذا الهامش الضيق، تحاول طهران توظيف مسار مواز يقوم على التهدئة العسكرية المدروسة والانفتاح الاقتصادي، عبر إرسال إشارات استعداد لفتح السوق الإيرانية أمام الشركات الأمريكية، في رسالة موجهة مباشرة إلى صناع القرار في واشنطن. هذا الطرح لا يهدف فقط إلى تخفيف العقوبات، بل إلى إعادة تعريف كلفة الخيارات أمام الولايات المتحدة، من خلال إبراز أن الدبلوماسية يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية وإستراتيجية مقابل حرب غير مضمونة العواقب.

الخلاصة: توازن دقيق ومستقبل غامض

إيران دخلت سابقا مفاوضات حينما كانت تحت الضرب، ما جعل الثقة شبه معدومة، وأي خطأ في الحسابات قد يعيد خلط الأوراق بسرعة، ويدفع المنطقة إلى مواجهة غير مقصودة. “التراجع التكتيكي” الإيراني لا يبدو تنازلا بقدر ما هو محاولة لشراء الوقت وتفكيك مسار تصعيدي تقوده إسرائيل، وسط تردد أمريكي واضح. نجاح هذه المقاربة سيظل مرهونا بقدرة طهران على إبقاء التوازن الدقيق بين الردع والانفتاح، دون أن تمنح خصومها الذريعة التي يبحثون عنها. مستقبل المنطقة معلق على هذا التوازن الدقيق، ويتطلب حوارًا بناءً وتجنبًا للتصعيد غير الضروري.

شاركها.
اترك تعليقاً